على ساحل نا بالي Nā Pali في كاواي، تبدو الجبال المتلثمة بالغيوم، وكأنَّ المحيط الهادئ شقَّها؛ ليكشف تاريخها: طبقات من الحمم صعدت من قاع البحر، ثمَّ نحتتها المياهُ حتى اخضرَّ البركان، وكاد يخفي أصله. وجزر هاواي، مهما تباعدت فوق الماء، تنتمي في العمق إلى حركةٍ واحدةٍ في جوف الأرض.
خطر لي أنَّنا، في المحيط العربيِّ والإسلاميِّ، أفرطنا في النظر إلى الجزر حتَّى نسينا ما تحتها.
ثمَّ جاءت الأخبار من مكَّة..
وقَّعت المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ، وتركيا، وباكستان «اتَّفاق مكَّة للدفاع المشترك»، ومبدؤه أنَّ الاعتداء على واحدةٍ منها اعتداءٌ على الجميع، ونرجُو لمصرَ وغيرها عودًا حميدًا إلى قلب الأرخبيل. وليس جوهر الاتِّفاق حلفًا سُنيًّا في مواجهة إيران، أو التَّشيع، بل محاولةً لإعادة تعريف الأمن: أمن الاجتماع، لا أمن الطائفة.
فمكَّة ليست طرفًا في معادلة طائفيَّة.. مكَّة المكرَّمة مركز.. مكَّة بوصلة وقِبلة.. والفرق كبير بين المركز والامتياز.
لهذا تذكَّرتُ سلمان الفارسي -رَضِيَ اللهُ عنهُ-. روى الترمذي أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال له: «يَا سلمانَ، لَا تَبغُضنِي فتفارق دِينكَ»، ثمَّ بيَّن له أنَّ بُغضَ العربِ من بُغضِهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وَعلَى آلِهِ وسلَّم-.
ولعلَّ كون المخاطَب سلمان هو مفتاح المعنى. وسلمان، في مقامٍ آخرَ، «منَّا أهل البيت». فلم تجعل عالميَّة الرسالة العرب شعبًا مختارًا، ولم تُلغِ الحاضنة الحضاريَّة التي حملتها. كانت مكَّة أمانة، والعربيَّة وعاءً، وكانت مركزيَّة العرب زيادةً في التكليف، لا زيادةً في الامتياز.
وليس بُغض العرب من خارجهم وحده ما يقلقنا، أشد منه أنْ يستبطنه بعض العرب، فيحسبوا التنكُّر لعمقهم حداثةً، والابتعاد عن محيطهم براغماتية. فبُغض الذات لا يصير سياسةً رشيدةً لمجرَّد أنْ يتحدَّث بلغة المصالح.
ليست مشكلة منطقتنا نقصًا في الهويات، بل إنَّ بعض هوياتها نسيت الفرق بين الخصوصيَّة والاصطفاء. وتبدأ النرجسيَّة الجمعيَّة حين تتوهم جماعةٌ أنَّ تاريخها، أو جرحها، أو نسبها، أو عقيدتها، أو ثروتها، يمنحها استثناءً من المسؤوليَّة.
نراه في ولايةٍ تستمد سلطان الحاضر من إمامٍ غائبٍ؛ وفي إنجيليَّةٍ سياسيَّةٍ تجعل أرضنا مسرحًا للعودة الثانية للمسيح، وفي صهيونيَّةٍ تنزلق من أمن الدولة إلى «إسرائيل الكُبْرى»، والهيكل الثَّالث، وحتَّى في «دولة مدينة» تتوهَّم أنَّ الثروة تستطيع شراء التاريخ. ليست هذه عقائد متساوية، ولا أخطارًا متماثلة، لكنْ بينها عطب واحد: الشعور بالاصطفاء بلا مسؤوليَّة.
ومن المفارقات في فهم المسؤوليَّة استوقفتني كلمة «السيد» بين ولايتين.
ففي ولاية الفقيه يحمل المرشد لقب «السيد»، بما يعنيه من الانتساب إلى بيت النبوُّة العربيِّ. وإذا كان القرب يزيد التكليف، فكيف يجتمع هذا الانتساب مع سياسةٍ تجعل من عواصم العرب ساحاتٍ لصراعاتِها؟
وفي ولاية ميشيغان صعد د. عبدالرحمن السيد، الأمريكي من أصلٍ مصريٍّ والطبيب القادم من الصحَّة والخدمة العامَّة، إلى واجهة السياسة الأمريكيَّة مرشحًا لمجلس الشيوخ. لا تعنينا شجرة النَّسب، بل ما يرتبه الشَّرف من مسؤوليَّة. ففي ولايةٍ يُستدعى النسب ليكسو التعسف شرعيَّة، وفي أخرى يكتسب الرجل شرف اسمه بما يؤدِّيه للنَّاس.
على نا بالي، غاب البركان منذ ملايين السنين، لكن الجبل لم ينسَ النَّار التي صنعته. غطَّته الخضرة والغمام، وشقَّه الماء، وبقي الأصل منحوتًا في الصخر.
ثمَّ جاءت الأخبار من مكَّة..
ولعلَّ الغيبة لم تكن للمخلّص.. كان الاجتماع.
الضبطُ يبدأ في الطريف... وفي العالم يُختَبر.


