من أجمل الدورات التدريبيَّة، التي علقت بالذاكرة، وأفادتني بمسيرتي المهنيَّة، هي دورة (فن التفاوض)، التي رُشِّحت لها في دبي قبل سنوات عديدة، وألقاها خبيرُ التنمية البشريَّة الدكتور إبراهيم الفقي -رحمه الله-، وكان معظم المشاركين فيها من الطبقة الأرستقراطيَّة: آل صباح، آل ثاني، آل خليفة، وقد كشفت لي العديد من المهارات التفاوضيَّة، التي كانت تمرُّ عليَّ مرور الكرام حتَّى أدركت غايتها، مثل: الاعتزاز بالزيِّ الرسميِّ، واللُّغة الأصليَّة، التحضير الجيِّد، الاستماع النَّشط، وقراءة لغة الجسد، التحكُّم العاطفي، المنفعة المشتركة، التحكُّم بنبرة الصوت، وخلق الأوقات المستقطعة!!
إنَّ الآليَّة التي أُديرت بها بروتوكولات اتفاقيَّة مكَّة للدفاع المشترك، بين المملكة العربيَّة السعوديَّة، والجمهوريَّة التركيَّة، ودولة باكستان الإسلاميَّة، سواء من حيث توقيت ومقر انعقادها، أو الدول المشاركة فيها، أو المخرجات التي توصَّلوا إليها، يفترض عرضها كدورات تدريبية لبقيَّة قادة وساسة الدول العالميَّة، تحت مسمَّى (فن المعاهدة)؛ ليتعلَّموا منها: كيفيَّة إدارة الأزمات الاقليميَّة بكلِّ حزم وعزم قبل أنْ تُراق نقطة دم واحدة.
لقد جاء توقيت إقامة هذه الإتفاقية: وسط توترات إقليميَّة متسارعة، استدعت إعادة صياغة المظلَّات الأمنيَّة، وتقليل الاعتماد المطلق على الحلفاء التقليديِّين الذين أبدى البعضُ منهم تخاذله، كما جاءت كرادعٍ قويٍّ ضد أيِّ هجمات محتملة من الميليشيات المتربصة بأمن ومقدَّرات المنطقة.
لقد شكَّل مقر إقامة هذه الاتفاقيَّة: بجوار الحرمين الشريفين -وتحديدًا في رحاب مكَّة المكرَّمة- بُعدًا رمزيًّا وتاريخيًّا عميقًا لا تخفى دلائله، يعكس وحدة التضامن الإسلامي بين الدول الثلاث، ويرسل رسالة سياسيَّة عميقة ذات هيبة عالية تعبر عن ثقل ومكانة الدول الإسلاميَّة الموقِّعة، عطفًا على القوة الروحانيَّة التي يستمدها المشاركون بالمعاهدة، وهم يتعهَّدُون في حرم الكعبة المشرفة، بحماية الشعائر الدينيَّة، والبقاع المقدَّسة.
لقد اختير أطراف هذه الاتفاقيَّة: بعد دراسةٍ متمعنةٍ، لما تحمله السعودية من ثقل سياسيٍّ واقتصاديٍّ، إضافة لكونها محور استقرار الطاقة العالميَّة، وما تحمله تركيا، باعتبارها قوَّة عسكريَّة إقليميَّة كُبرى وعضو في «حلف الناتو»، إضافة لامتلاكها صناعات دفاعيَّة متطوِّرة، ومسيَّرات قتالية، وما تحمله باكستان من مفاعلات نوويَّة وعسكريَّة، فضلًا عن الموقع الجغرافيِّ الإستراتيجيِّ للدول الثلاث المحيطة بمحور التهديدات الإقليميَّة.
لقد شكَّلت مخرجات هذه الاتفاقيَّة: نقلةً نوعيَّةً في الأمن الإقليميِّ، حيث نصَّت على أنَّ أيَّ هجوم مسلَّح ضد أيِّ دولةٍ منها يُعدُّ هجومًا على البقيَّة؛ ممَّا يرسِّخ دعائم الاستقرار، ويعزِّز وحدة الصَّف والمصير، بدمج الخطط الدفاعيَّة، والمقدَّرات العسكريَّة، بجانب خلو هذه المعاهدة من أيِّ شبهةٍ لتشكيل محاور أو أحزاب طائفيَّة، مع خلق مرونة إنظام قوى جديدة، دون التخلِّي عن الاتفاقيَّات الثنائيَّة والتحالفات العربيَّة والدوليَّة القائمة.
طبعًا لن يفهم أهميَّة مثل هذه المعاهدة الدفاعيَّة، تلك الدول التخريبيَّة التي اعتادت احتضان المنشقِّين والمعارضِين لتطعن بها خاصرة الدول الصديقة، ولن يفهمها أولئك الكتَّابُ المأجورون -وعلى رأسهم وسيع الوجه فؤاد الهاشم-؛ لأنَّهم اعتادوا خيانة أوطانهم، مقابل حفنة دنانير، وسهرة مفتوحة، ولن تدركها تلك الشعوبُ الجاهلةُ التي تضمرُ لنا الضَّغينة رغم جمائلنا الغفيرة، إلَّا إذا تبرَّعنا لهم بحضور دورتنا التدريبيَّة: (فـن المعاهـدة)!!


