رَحِمَ اللهُ موتانا وموتى المسلمين، وجبرَ قلوبَ كلِّ من فَقَدَ عزيزًا، فالموت أكثر حقائق الحياة يقينًا، وأكثرها غموضًا في الوقت نفسه. نعرف أنَّه آتٍ، ولا يعرف أحدٌ منا موعده، ونمضي في حياتنا بين عمل وطموح، ومال ومكانة، وخلافات صغيرة وكبيرة، ثمّ تأتي لحظة واحدة تسقط أمامها كلُّ هذه التفاصيل.
ولعلَّ لهذا السبب بقي للعزاء في مجتمعاتنا شيء من الهيبة، التي لا تحتاج إلى تعليمات النَّاس، تعرف بالفطرة أنَّها تدخل مكانًا مختلفًا، فيه أسرة فَقَدَتْ واحدًا منها، وفيه اسم كان قبل أيَّام بين الأحياء، وصار اليوم مسبوقًا بالدُّعاء والرَّحمة، لكن بعض المشاهد التي نراها تستحق التأمُّل.
لا أتحدَّث هنا بالعموم، ولا أفتِّش في نيات أحد، فالنيَّات شأن بين الإنسان وربِّه، وإنَّما أتحدَّث عن صورة تتكرَّر منذ سنوات، ومنحتها وسائل التواصل الاجتماعي مساحة أكبر للظهور! هناك مَن يذهب إلى العزاء، ثمَّ يبدُو أنَّ اهتمامه ينتقل من صاحب العزاء إلى مَن حضر العزاء!
شخصيَّة معروفة وصلت، مسؤول دخل، «مشهور» جلس في طرف المجلس، فتتحرَّك الهواتف، وتبدأ المصافحات التي يُراد لها أنْ تبقى في الصور، وقد تمتد المسألة إلى ابتسامات وضحكات، ولقطات لا يعرف المرء، وهو يشاهدها لاحقًا، هل جاءت من مجلس عزاء، أم من مناسبة اجتماعيَّة!
المشاهد هنا ليست في الصورة وحدها، بل في ذلك التحوُّل الهادئ الذي طرأ على علاقتنا ببعض المناسبات، وكأنَّ الحضور لم يعد كافيًا؟! نحتاج إلى صورة تؤكِّده، ومنشور يوثِّقه، وربما اسم معروف يقف إلى جوارنا ليمنح ذلك الحضور قيمةً إضافيَّةً.
وهذه واحدة من مفارقات زمن «التواصل المفتوح»، لقد منحتنا التقنية قدرةً هائلةً على تسجيل حياتنا، لكنَّها أخذت من بعضنا شيئًا من القدرة على أنْ نعيش اللحظة كما هي، بلا جمهور، حتى أكثر اللحظات خصوصيَّة وإنسانيَّة دخلت في سباق الظهور.
ومجلس العزاء -في تقديري- من الأماكن القليلة التي تكشف هذا التناقض بوضوح شديد؛ لأنَّك لا تقف أمام مناسبة عابرة، وإنَّما أمام النهاية التي يتساوى عندها الجميعُ، صاحب المنصب والذي ينتظر منصبًا، الغني والفقير، المعروف والمجهول، صاحب الملايين وصاحب الراتب البسيط، كلهم أمام هذه الحقيقة سواء وربَّما لهذا يزعجني المشهد أكثر ليس لأنَّ الابتسامة جريمة، ولا لأنَّ لقاء صديق قديم في العزاء يستوجب أنْ نتظاهر بالحزن أمامه، فالإنسان يبقى إنسانًا، والمجالس تجمع من فرَّقتهم الأيام، وإنَّما لأن لكل مكان روحه، وهناك فارق لا يحتاج إلى شرح بين ابتسامة عابرة، وبين تحويل المناسبة إلى مساحة اجتماعيَّة لإثبات الحضور.
وأحيانًا أفكر في المسألة بطريقة أخرى لو استطاع الراحل أنْ يرى مجلس عزائه، فماذا كان سيعنيه أنْ يرى شخصًا جاء من أجله، ثمَّ انشغل بكل من في المجلس إلَّا به؟ قد يبدو السؤال افتراضيًّا، لكنَّه يعيد الأشياء إلى حجمها الحقيقي.
فنحن في النهاية لا نذهب إلى العزاء من أجل الموتى وحدهم، ولا من أجل الأحياء، نذهب أيضًا لأنَّ الموت يذكرنا، ولو لدقائق، بحقيقة نحاول طوال الوقت أنْ ننساها: أن كل ما نتنافس عليه هنا مؤقت، وربما تكمن إحدى مفارقات حياتنا الحديثة في أننا أتقنا صناعة الحضور، فيما تراجع انتباهنا إلى قيمة الحضور ومعناه.
* نقطة تحت السطر:
بعضُ المواقف لا تحتاجُ أنْ يعرفَ النَّاسُ أنَّنا كنَّا فيها، يكفي أنْ نعرفَ نحنُ لماذَا كنَّا هنَاكَ.


