Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

إدامة العلم.. بالتشجيع وإدارة العقبات

غازي العوني

A A
استمراريَّة العلم لا تُقاس بعدد الأوراق المنشورة في سنةٍ واحدةٍ، بل بقدرة البيئة البحثيَّة على تحويل الفكرة إلى معرفةٍ متراكمةٍ تخدم الأجيال التالية. وهذا لا يتحقَّق إلَّا بتوازنٍ دقيقٍ بين أمرين: الدَّعم الذي يبني، وإدارة العوائق التي تمنع الانهيار.
التشجيع في جوهره هو إرسال إشارة للباحث بأنَّ جهده ذو قيمةٍ حتَّى قبل ظهور النتائج النهائيَّة. يبدأ هذا الدعم من المؤسَّسة التي توفِّر تمويلًا مرنًا وسريعًا للمراحل الاستكشافيَّة؛ لأنَّ الانتظار الطويل يقتل الحماس قبل أنْ يبدأ الاختبار. ويكتمل في الأروقة الأكاديميَّة حين يتحوّل النقد من أداة هدم إلى أداة صقل، فالباحث الذي يتلقَّى توجيهًا دقيقًا بعد الرَّفض يعود أقوى، بينما الذي يواجه صمتًا، أو رفضًا مطلقًا ينسحبُ بصمتٍ. ولا يكتمل التشجيع إلَّا حين يغادر البحث جدران المختبر، ويفهمه المجتمع؛ لأنَّ العلم المعزول عن حاجة النَّاس يفقد مبرر وجوده، ويتحوَّل إلى أرشيفٍ مُهملٍ.
أمَّا العقبات فهي ليست أخطاء في النظام، بقدر ما هي اختبارات لمتانة البحث. الإجراءات التنظيميَّة المطولة قد تبدو عائقًا، لكنّها في الواقع تفرض معايير أخلاقيَّة وشفافيَّة تحمي الباحث نفسه، وتكسب نتائجه ثقة أوسع. ومحدوديَّة الموارد قد توقف تجربة، لكنَّها في الوقت نفسه تدفع العقل للبحث عن طُرق بديلة أكثر كفاءة مثل المحاكاة والنمذجة والتعاون مع فرق أخرى. حتى صعوبة النَّشر في المجلات المرموقة ليست نهاية الطريق، بل هي عمليَّة مراجعة قاسية تفرز البحث المتين من البحث السطحيِّ وتجبر الكاتب على تقوية حجته.
وعليه فإنَّ إدامة العلم ليست شعارًا، بل ممارسة يوميَّة تقوم على مبدأين متلازمين. الأوَّل أنْ نوفِّر للباحث بيئة تشعره بالأمان والدعم في كل مرحلة، والثاني أنْ نعلِّمه كيف يقرأ العوائق، لا كجدران توقفه، بل كمعايير ترفع من جودة ما ينتج. فالعلم الذي لا يواجه صعوبات يبقى هشًّا، والعلم الذي لا يجد مَن يشجِّعه لا يبدأ أصلًا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store