Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الاستثمار في السعودية.. من الحوافز إلى القيمة

عبدالله عنايت

A A
لم تعد الدول تتنافس اليوم في جذب الاستثمارات عبر الحوافز المالية وحدها، فالمستثمر أصبح أكثر اهتمامًا بقدرة الاقتصاد على النمو، واستقرار التشريعات، وسهولة ممارسة الأعمال، وجودة الحياة، وإمكانيَّة التخطيط طويل الأجل. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحوُّل الذي تشهده المملكة العربيَّة السعوديَّة، حيث لم تعد جاذبيتها الاستثماريَّة ترتبط بحجم اقتصادها أو موقعها الجغرافي فقط، بل بمنظومة إصلاحات أعادت صياغة بيئة الأعمال وعزَّزت قدرتها على المنافسة عالميًّا.
هذا التحوُّل لم يكن وليد قرارٍ واحدٍ، أو برنامجٍ منفردٍ، بل جاء نتيجة مسار إصلاحيٍّ متدرج تبنته رُؤية 2030، استهدف تحديث الأنظمة، وتعزيز كفاءة الأجهزة الحكوميَّة، وتوسيع الاعتماد على الحلول الرقميَّة، وتطوير البنية التحتيَّة، وتمكين القطاع الخاص، وفتح آفاق جديدة أمام الاستثمارات المحليَّة والأجنبيَّة، لتشكل منظومة متكاملة تمنح المستثمر مزيدًا من الوضوح والثقة.
وما يميِّز التجربة السعوديَّة أنَّها لم تنظر إلى الاستثمار باعتباره تدفقًا ماليًّا فحسب، بل باعتباره شراكة اقتصاديَّة طويلة المدى، لذلك، اتجهت السياسات الاقتصاديَّة إلى استقطاب الاستثمارات التي تضيف قيمة حقيقيَّة للاقتصاد، سواء من خلال نقل التقنية، أو توطين المعرفة، أو تطوير سلاسل الإمداد، أو خلق فرص العمل، أو دعم المحتوى المحليِّ. وهذا التحوُّل يعكس فهمًا متقدِّمًا لطبيعة المنافسة الاقتصاديَّة في المرحلة الحاليَّة، حيث أصبحت جودة الاستثمار أكثر أهميَّة من حجمه.
ومن هنا، يمكن قراءة برامج مثل المقرَّات الإقليميَّة للشركات العالميَّة، التي عزَّزت حضور المملكة مركزًا لإدارة الأعمال في المنطقة، وأسهمت في استقطاب شركات كبرى لإدارة عمليَّاتها الإقليميَّة من الرياض.
وفي السياق ذاته، برزت الإقامة المميَّزة باعتبارها إحدى الأدوات التي تكمل هذه المنظومة. فمن الخطأ النظر إليها على أنَّها برنامج يمنح مزايا للإقامة فقط، لأنَّ فلسفتها الاقتصاديَّة أوسع من ذلك بكثير، فهي تستهدف المستثمر، ورائد الأعمال، وصاحب الكفاءة، والمبتكر، وكل من يستطيع أنْ يضيف قيمة للاقتصاد السعوديِّ. ومن خلال المنتجات المتخصصة التي أطلقها مركز الإقامة المميَّزة، أصبح أكثر ارتباطًا باحتياجات الاقتصاد واستقطاب الفئات المنتجة والمبتكرة.
ومن يراقب المشهد الاقتصادي السعودي يلاحظ أنَّ الإقامة المميَّزة لم تأتِ بمعزل عن بقية الإصلاحات، بل جاءت مكملة لها. فالمستثمر الذي يجد تشريعات واضحة، وخدمات حكومية رقميَّة، وقطاعًا ماليًّا متطورًا، ومشروعات اقتصادية واعدة، سيكون أكثر استعدادًا لاتخاذ قرار طويل الأجل إذا وجد أيضًا إطارًا قانونيًّا يمنحه الاستقرار الشخصيِّ والمهني. وهنا تبرز قيمة الإقامة المميَّزة باعتبارها عنصرًا يعزِّز جاذبية البيئة الاستثماريَّة، لا بديلًا عنها.
في الختام، تبدو جاذبية الاستثمار في السعودية اليوم نتيجة تراكم إصلاحات اقتصادية ومؤسسيَّة، أكثر من كونها نتاج مبادرة واحدة. والإقامة المميَّزة ليست سوى حلقة في مشروع اقتصادي أوسع يعيد صياغة العلاقة بين المستثمر والدولة. وإذا كانت الحوافز تفتح الباب أمام الاستثمار، فإنَّ جودة البيئة الاستثماريَّة هي التي تدفعه إلى البقاء والتوسع، وهذه هي المعادلة التي سترسم قدرة الاقتصادات على المنافسة في السنوات المقبلة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store