في عالم تتبدل فيه التحالفات وتتشكل موازين جديدة للقوى، لم يعد كافيًا للدول أن تكون فقط قوية اقتصاديًا، بل أصبح عليها أن تمتلك القدرة على حماية قوتها العسكرية ومصالحها وقرارها السيادي. من هنا يمكن قراءة اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان باعتبارها خطوة تتجاوز حدود التعاون العسكري إلى رؤية إستراتيجية أوسع لمكانة الدول في عالم الغد. ولعل اختيار مكة المكرمة اسمًا للاتفاقية يحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا، فمكة ليست مجرد مدينة سعودية، وإنما قلب العالم الإسلامي وقبلته.
وما يلفت النظر في الاتفاقية ليس أطرافها الثلاثة فحسب، وإنما طبيعة القوة التي يمثلها كل طرف. فالمملكة بثقلها السياسي والاقتصادي والديني وموقعها الجغرافي الاستثنائي تمثل قلب هذه المعادلة، وتركيا تمتلك جيشًا كبيرًا وقاعدة متقدمة للصناعات الدفاعية وخبرة متنامية في الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية الحديثة، فيما تمثل باكستان قوة عسكرية كبيرة ذات قدرات إستراتيجية ونووية وخبرة ممتدة في المجالات الدفاعية. إنها باختصار، ليست ثلاث قوى متشابهة، بل ثلاث قوى متكاملة.
وهنا يظهر جانب مهم من الدهاء السياسي الذي يتسم به سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ فالمملكة لا تستبدل حليفًا بحليف، ولا تنتقل من محور دولي إلى آخر، وإنما توسع خياراتها. تحافظ على شراكاتها التاريخية مع الولايات المتحدة والغرب، وتبني علاقات اقتصادية واسعة مع الصين، وتتعاون مع القوى المؤثرة في الشرق والغرب، وفي الوقت نفسه تؤسس شبكة من العلاقات الدفاعية والاستراتيجية، وهذا هو مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين؛ ألا تجعل قرارك مرهونًا بخيار واحد.
والأكثر أهمية أن الاتفاقية تأتي في وقت أصبحت فيه المنطقة والعالم أكثر اضطرابًا. حروب وصراعات، تهديد لطرق التجارة والطاقة، تجعل بناء الردع ضرورة وليس ترفًا. والردع الحقيقي يمثل امتلاك القوة التي تجعل الطرف الآخر يفكر طويلًا قبل أن يبدأ الحرب، وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم السياسة السعودية الجديدة. فالمملكة التي تستثمر المليارات في مشروعات رؤية 2030، وتبني المدن والصناعات والموانئ والمناطق اللوجستية والسياحية والتقنية، تحتاج إلى بيئة آمنة تحمي هذه المكتسبات، لذلك لا يمكن فصل الأمن والدفاع عن الاقتصاد والتنمية، فكل مشروع اقتصادي كبير يحتاج في النهاية إلى مظلة من الاستقرار والقوة تحمي استمراره.
كما أن القيمة المستقبلية للاتفاقية قد لا تكون في التعاون العسكري المباشر وحده، بل في التصنيع العسكري المشترك ونقل المعرفة والتقنية، وهنا تبرز فرصة إستراتيجية كبيرة للمملكة، فتركيا قطعت شوطًا مهمًا في الصناعات الدفاعية، وباكستان تمتلك خبرات عسكرية وتقنية متراكمة، بينما تملك المملكة الموارد والطموح والاستثمارات وبرامج توطين الصناعات العسكرية.
لنتخيل ماذا يمكن أن يعني تكامل هذه القدرات مستقبلًا؛ مصانع مشتركة، طائرات مسيّرة، أنظمة دفاع جوي، تقنيات حرب إلكترونية، أمن سيبراني، ذكاء اصطناعي عسكري، مراكز تدريب وأبحاث، وبرامج تطوير يشترك فيها المهندس والباحث والشركة السعودية، عندها لن تكون المملكة مجرد مشترٍ للتكنولوجيا، وإنما شريكًا في صناعتها وتطويرها وتصديرها.
هذا هو التحول الأهم الذي يقوده الأمير محمد بن سلمان في مفهوم الدولة السعودية الحديثة؛ الانتقال من امتلاك الموارد إلى صناعة القوة. فالقوة الاقتصادية وحدها لا تكفي، والسلاح وحده لا يصنع دولة عظمى، والسياسة بلا اقتصاد تصبح محدودة التأثير، أما حين تجتمع قوة الاقتصاد مع التقنية والدبلوماسية والصناعة والردع العسكري، فإن الدولة تنتقل إلى مستوى مختلف تمامًا من الحضور الدولي.
ان السعودية التي يرسم ملامحها للمستقبل أمير الرؤية، أن تمتلك إضافة الى المال والسلاح؛ الاقتصاد والتقنية والتحالفات والقرار المستقل والقدرة على الردع. مملكة قوية، تبحث عن السلام، تمد يدها للجميع، لا ينتظر الآخرين ليحددوا موقعها، بل يصنع سموه موقعها بنفسه.


