تمضي المملكة بخطوات متسارعة نحو بناء اقتصاد معرفي تقوده منظومة متكاملة للبحث والتطوير والابتكار، مستفيدة من مستهدفات رؤية 2030 والإستراتيجية الوطنية للبحث والتطوير والابتكار.
ومع تنامي الإنفاق على البحث العلمي واتساع قاعدة الباحثين، يبرز تحدٍ أكثر حساسية يتمثل في تحويل المعرفة وبراءات الاختراع إلى منتجات وخدمات وشركات قادرة على المنافسة محلياً وعالمياً.
ويعد ما يعرف بـ«وادي الموت» إحدى أبرز العقبات أمام الابتكارات السعودية، وهي الفجوة التي تفصل بين نجاح الفكرة في المختبر وقدرتها على الوصول إلى السوق.
ويرى مختصون وأكاديميون أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب تغييراً في مفهوم تمويل الابتكار، بحيث لا يتوقف الدعم عند البحث أو تسجيل البراءة، بل يمتد إلى النموذج الأولي والاختبارات والاعتماد والتصنيع والتسويق وجذب الاستثمار.
ويؤكد الدكتور محمد بن عيد السريحي، رئيس المجلس العربي للإبداع وعضو مجلس إدارة الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، أن المملكة قطعت شوطاً مهماً في بناء منظومة تمويل للبحث والتطوير والابتكار، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة إلى تعميق التمويل المرحلي، خصوصاً في المسافة بين إثبات الجدوى العلمية والوصول إلى السوق.
ويشير السريحي إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد إنتاج الابتكار، وإنما «تسويق الابتكار»، من خلال مسار متكامل يربط البحث ببراءة الاختراع، ثم بالنموذج الأولي والمستثمر والمنتج.
وتتمثل أبرز العقبات في فجوة التمويل بين البحث وتطوير المنتج، وضعف العلاقة بين الجامعات والقطاع الخاص، وارتفاع تكاليف الاختبارات والاعتماد، إضافة إلى حماية الملكية الفكرية محلياً ودولياً، ونقص الخبرات التجارية والتسويقية لدى بعض الباحثين، وصعوبة الوصول إلى المستثمر والعميل الأول.
ويؤكد أن نجاح الابتكار يتطلب أيضاً معالجة تحديات التوسع العالمي، خصوصاً ما يتعلق بالمعايير الدولية والمنافسة وشبكات التوزيع، مشيراً إلى أن بعض الصناعات، ومنها المنتجات الطبية، تواجه منافسة قوية من المنتجات المستوردة رغم وجود كفاءات وقدرات بحثية عربية.
ومن جانبه، يوضح الأستاذ الدكتور عبدالرحمن العليان، أستاذ القيادة والتخطيط بجامعة جدة، أن «وادي الموت» يظهر بصورة واضحة عند توقف المشروعات في مرحلة إثبات المفهوم نتيجة غياب التمويل الذي يغطي تطوير النماذج الأولية، إلى جانب بيروقراطية الإجراءات وطول فترات تسجيل الملكية الفكرية والبراءات، وبطء التراخيص والموافقات التنظيمية، خصوصاً في القطاعات الصحية والحيوية.
ويلفت العليان إلى وجود اختلاف جوهري بين أهداف الباحث والمستثمر؛ فالباحث يهتم بالنشر العلمي والترقية الأكاديمية، بينما يبحث المستثمر عن سرعة العائد وتقليل المخاطر.
وتشمل تحديات الانتقال إلى التصنيع أيضاً صعوبة تحويل الفكرة إلى نموذج أولي قابل للإنتاج، ونقص البنية التحتية للتصنيع المتقدم، وتحديات سلاسل الإمداد، وطول دورة الاعتماد، فضلاً عن صعوبة حماية الملكية الفكرية عالمياً.
كما أن تركيز الباحث على الجانب التقني دون فهم احتياجات السوق قد يؤدي إلى إنتاج ابتكار جيد علمياً لكنه غير قابل للتسويق.
ويؤكد الأستاذ الدكتور عبدالله بن أحمد الزهراني أن البحث العلمي الرصين يمثل نواة الابتكار واقتصاد المعرفة، وأن التمويل يعد ركناً أساسياً لرفع الإنتاج المعرفي، لكنه لا يحقق أثره الكامل ما لم يوجه إلى مشروعات ذات جدوى وعوائد واضحة.
ويرى أن زيادة التمويل يجب أن تترافق مع سياسات ترفع كفاءته وتقلل الإجراءات الروتينية التي تؤخر انتقال الأفكار من الجامعات إلى التطبيق.
ويشدد الزهراني على أهمية إنشاء حاضنات متخصصة للمشروعات وبراءات الاختراع داخل الجامعات، والاستفادة من الكفاءات البحثية الموجودة في الكليات الطبية وتحويل مخرجاتها إلى منتجات تخدم السوق.
التحويل إلى قيمة اقتصادية
أما الدكتور سعد المطرفي، الأكاديمي المتخصص في الإدارة التربوية والتخطيط، فيرى أن التحدي لم يعد إنتاج المعرفة بقدر ما أصبح تحويلها إلى قيمة اقتصادية وصحية وصناعية.
ويشير إلى أن المملكة أنفقت نحو 29.48 مليار ريال على البحث والتطوير في 2024، بينما استحوذ قطاع التعليم العالي على نحو 83.4% من إجمالي الباحثين، بما يقارب 34,664 باحثاً، مقابل 19.5% من إجمالي الإنفاق.
ويكشف هذا التفاوت، بحسب المطرفي، عن حجم رأس المال البحثي الموجود في الجامعات، لكنه يؤكد في الوقت نفسه ضرورة تعظيم العائد الاقتصادي والتطبيقي من هذا الرصيد، وربطه بصورة أكثر إحكاماً باحتياجات السوق وقطاعي الصحة والصناعة.
ويرى المطرفي أن التمويل الحكومي ينبغي أن يتحول إلى رافعة لجذب رأس المال الخاص، من خلال صناديق متخصصة تسد فجوة «وادي الموت» وتربط التمويل بمراحل النضج التقني.
كما يجب تطوير مكاتب نقل التقنية من وحدات تركز على تسجيل البراءات إلى مؤسسات تجارية متخصصة في تقييم الأصول المعرفية، وإدارة التراخيص، وتأسيس الشركات المنبثقة، واستقطاب المستثمرين والشركاء.
وتبرز المشتريات الحكومية كإحدى أهم أدوات صناعة «السوق الأولى» للابتكار السعودي، عبر تحديد التحديات وفتح المجال أمام الحلول المحلية واختبار المنتجات واعتماد الناجح منها.
مشيرا إلى أن الابتكار يحتاج إلى عميل أول يمنحه فرصة إثبات الكفاءة وبناء الثقة قبل الانتقال إلى الأسواق الأوسع.
8 نقاط لسد فجوات «وادي الموت» في الابتكار
تمويل مرحلي متكامل للابتكار.
سد الفجوة بين المختبر والسوق.
تطوير مكاتب نقل التقنية بالجامعات.
ربط البحث باحتياجات السوق.
تعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص.
تسهيل الاعتماد وحماية الملكية الفكرية.
تفعيل المشتريات الحكومية للابتكارات الوطنية.
قياس الأثر الاقتصادي للبحث والابتكار.
تحويل براءات الإختراع إلى منتجات يصطدم بالتمويل والتسويق والمشتريات الحكومية
تاريخ النشر: 16 أغسطس 2026 00:13 KSA
تحديات بالتمويل والتسويق والمشتريات
A A


