في تاريخ الأغنية السعوديَّة، يحتلُّ اسم (ابتسام لطفي) مكانةً استثنائيَّةً؛ إذ تُمثِّل تجربتها الإنسانيَّة دليلًا حيًّا على قُدرة الإرادة على تحويل المحنة إلى إبداع. فَقَدَتْ بصرها في طفولتها، لكنَّها امتلكت بصيرةً فنيَّةً نافذةً جعلتها واحدةً من أبرز الأصوات النسائيَّة في الغناء الخليجيِّ.
وُلِدَت (ابتسام لطفي)، واسمها الحقيقي خيرية قربان عبدالهادي، في مدينة الطائف، حيث بدأت بحفظ القرآن الكريم، وتَعلُّم التجويد. وقد أكسبها ذلك صفاءً في مخارج الحروف، وقدرةً دقيقةً على التحكُّم بالمقامات الموسيقيَّة، قبل أنْ تتجه إلى الغناء الشعبيِّ في المناسبات النسائيَّة، ومنه إلى الاحتراف الفنيِّ.
واجهت (ابتسام لطفي) خلال مسيرتها تحدِّيات اجتماعيَّة وثقافيَّة كبيرة، في زمن لم يكن الطريق إلى الفن ممهَّدًا أمام المرأة السعوديَّة. غير أنَّ موهبتها تجاوزت تلك الحواجز والتحفُّظات، ويُنسَب إلى الفنان الراحل (طلال مداح) إطلاق اسمها الفني «ابتسام لطفي»، وهو الاسم الذي ارتبط بها طوال مسيرتها.
قدَّمت عشرات الأغنيات، من أشهرها: «يا طير»، و»سافروا»، و»البارحة»، إلى جانب أعمال عاطفيَّة ووطنيَّة وطربيَّة جسَّدت مرحلة ازدهار الأغنية السعوديَّة الكلاسيكيَّة. ومن خلال حضورها المبكر في تاريخ الفن السعوديِّ، أسهمت في انتشار الأغنية السعوديَّة خارج حدود المملكة، مقدِّمة لونًا غنائيًّا يجمع بين الحفاظ على التراث واستيعاب أساليب التلحين العربيَّة الكُبرى. وقد تعاونت مع نخبة من كبار الملحنين العرب، مثل رياض السنباطي، ومحمد الموجي، إلى جانب روَّاد الأغنية السعوديَّة كسراج عمر، وجميل محمود، وغازي علي، كما غنَّت من كلمات الشاعر أحمد رامي، في تعاونٍ يُعدُّ نادرًا لفنَّانة سعوديَّة في تلك المرحلة.
في أواخر ثمانينيَّات القرن الماضي، ابتعدت عن الساحة الفنيَّة لأسباب شخصيَّة، لتتوالى سنوات الغياب، بينما ظل اسمها حاضرًا في الذاكرة الثقافيَّة بوصفها إحدى الركائز المؤسِّسة للأغنية السعوديَّة الحديثة. وفي السنوات الأخيرة، تجدَّد الاهتمام بإرثها إعلاميًّا وفنيًّا، لإعادة تقديم تجربتها المتميِّزة للأجيال الجديدة.
لقد أثبتت (ابتسام لطفي) أنَّ الفن الحقيقيَّ لا يُقَاس بعدد الحفلات أو وهج الأضواء، بل بقدرته على البقاء في الوجدان. وما يزال صوتها، رغم عقود من الغياب، يحتفظ بتلك القدرة النادرة على استدعاء الحنين، وكأنَّ الزمن لم يفلح في إخماد صداه.


