Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

قـلـــــق

A A
دواعي القلق كثيرةٌ ومتنوِّعةٌ، خصوصًا في ظلِّ الأحداث العالميَّة اليوم. أتذكَّر أنَّني عندما درستُ مادة التنبؤ -ضمن مقرَّرات مادة «الوسائل الكميَّة في التَّخطيط»- قبل خمسين سنةً، كنتُ متحمِّسًا إلى درجة لا تُوصف، لكنَّني أُصبتُ بخيبة أمل كُبرى، عندما اكتشفتُ أنَّ أحد أساسياتها تكمنُ في دراسة الماضي. ومن هنا يأتي القلق: فإذا نظرنا إلى واقع العالم اليوم، وقارنَّاهُ ببيئة الحروب الكُبرى في الماضي، وجدنَا مؤشِّرات لا يمكنُ الاطمئنان إليها بسهولةٍ. الحرب العالميَّة الثانية، مثلًا، كانت أكبر الصِّراعات المسلَّحة في تاريخ البشريَّة، وراح ضحيتها أكثر من سبعين مليون إنسان، معظمهم من المدنيِّين. وقبل تلك الحرب المدمِّرة، وقعت حروبٌ محدودةٌ شكَّلت إنذارات مبكِّرة، من أهمِّها محاولة الاتحاد السوفييتي احتلال فنلندا، في 30 نوفمبر 1939. وكانت المفاجأة أنَّ السوفييت، رغم قدراتهم العسكريَّة الهائلة، لم يستطيعُوا احتلال فنلندا الصَّغيرة، واكتفُوا باحتلال بعض أراضيها بعد معارك ضاريةٍ، ومقاومة شديدة، وهزائم غير متوقَّعة. وكانت الحكومة النازيَّة في ألمانيا من أهم المُراقبِين لتلك الحرب؛ لأنَّ نتائجها بدت مؤشِّرًا على أنَّ القوَّة العسكريَّة السوفييتيَّة أقل من التوقُّعات. وربما ساهم هذا التقدير الخاطئ في دفع النازيِّين إلى تنفيذ عمليَّة «بارباروسا» الفاشلة لاحتلال الاتحاد السوفييتي في 22 يونيو 1941.
وبالرغم من الدروس التاريخيَّة المتراكمة على مدى مئات السنين، والتي أثبتت أنَّ احتلال روسيا أو الاتحاد السوفييتي يكاد يكون من المستحيلات العسكريَّة، خاضت ألمانيا المغامرة الفاشلة. وتوجد أمثلة أخرى، من الشرق والغرب، على صراعات مسلَّحة استُخدمت للتنبؤ بقدرات بعض الدُّول العظمى، ومنها الحرب الأهليَّة الإسبانيَّة عام 1936، التي تحوَّلت إلى ساحة قتال وتجارب لمجموعة من القوى الكُبرى. وما علاقة كل هذا بأحداث اليوم؟ انظر، مثلًا، إلى ورطة روسيا في حرب أوكرانيا، التي بدأت في 24 فبراير 2022. وللتذكير، فقد سبق هذه الحرب، احتلال شبه جزيرة القرم عام 2014، وحين رأت روسيا أنَّ ردَّ فعل العالم محدود، واصلت مسارها العسكري. وتقدَّر خسائر الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة لدى الطَّرفين بأكثر من مليون وأربعمئة ألف إنسان، من بينهم نحو أربعمئة ألف قتيل، إضافة إلى خسائر عالميَّة في سلاسل إمدادات الطاقة والغذاء.
وانظر أيضًا إلى وضع الولايات المتحدة في المواجهة مع إيران، التي دخلت شهرها السادس من دون حلول ملموسة في الأفق القريب. والسؤال المقلق هنا: هل هناك من يراقب مسار هذه الحروب، ويتربص بنتائجها؛ استعدادًا لتنفيذ مخططات تعتمد على المثل القديم: «إذا غاب القط، لعبت الفئران؟» وبصراحة، يعجبني هذا المثل أكثر في صيغته الفرنسيَّة والإيطاليَّة: «عندما تغيبُ القططُ ترقصُ الفئرانُ»؛ فالرَّقصُ -من وجهة نظري- يرسمُ صورة أبلغ.
أمنيــــــة
رأينا في الآونة الأخيرة، رقص بعض الكائنات الصَّغيرة في ضوء الصِّراعات العسكريَّة المؤسفة، وحرب الوكالات. أتمنَّى ألَّا تكون حروب اليوم توطئة لحروب أكبر، وأطول، وأكثر دمارًا في المستقبل. اللَّهُمَّ اكفنَا شرورَ الحروبِ، كبيرهَا وصغيرهَا. وطبعًا، لا يأتي القلقُ بنتائج، لكنَّه عند كثيرٍ من البشر شعور لا مهربَ منه، واللهُ المعينُ الهَادِي. وهُو مِن وراءِ القَصدِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store