Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

توقيع الكتب بـ 5 آلاف ريال يقسم المثقفين بين «رائدة وذكية» و«صدمة تجارية»

منصة رقمية تثير الجدل و المدينة ترصد الانطباعات

A A
تباينت آراءُ العديد من المثقَّفين بشأن الخطوة التي أعلنتها جمعيَّة الأدب المهنيَّة، والمتعلِّقة بتفعيل خدمة «منصَّة توقيع الكتب»، عبر بوابتها الرقميَّة مقابل مبلغ ماديٍّ يصل إلى خمسة آلاف ريال.
وفي الوقت الذي أشاد فيه بعضُ المثقَّفين بهذه الخطوة، رفضها آخرُون تمامًا؛ استنادًا إلى مبدأ أنَّ الأدب والثقافة يجب ألَّا تطغى عليهما الأبعادُ الماديَّة.
الموضوع أثار جدلًا واسعًا في مواقع التواصل، ما بين تأييد، ورفض.
وبدورها، رصدت «المدينة» انطباعات وآراء مجموعة من الأدباء والمثقَّفين حول هذا الموضوع..
رؤية ذكية
في سياق التَّأييد، أشاد الأديبُ الدكتورُ عبدالله الغذامي بالفكرة، واصفًا هذه الخطوة بأنَّها «فكرة رائدة وذكيَّة».
وفي الاتِّجاه ذاته، رأى الكاتبُ والأديبُ وأستاذُ علم الاجتماع، الدكتور أحمد حسين عسيري، أنَّ هذه المنصَّة تمثِّل «مبادرة فاعلة، ومُخرجها عملي، بما يحقِّق كثيرًا من الأهداف بشكل مدروسٍ، وفي الاتِّجاه الصحيح».
صدمة تجارية
في المقابل، وصف رئيسُ الجمعيَّة السَّابق وأستاذُ النَّقد الأدبيِّ، الدكتور صالح زيَّاد، المبادرة بـ»الصَّدمة».
وقال: «صُدمتُ حين قرأتُ هذا الإعلان لجمعيَّة الأدب المهنيَّة، الذي يدعو الأدباء إلى تنظيم حفلات توقيع لكتبهم، بمزايا تشمل ندوةً نقديَّةً، وترويجًا إعلاميًّا، وتنظيمًا متكاملًا، مقابل أنْ يدفع المؤلِّف ٥٠٠٠ ريالٍ، وفقَ ما يظهر في صفحةِ التقديم بموقع الجمعيَّة».
وأضاف زيَّاد: «لا أظنُّ أنَّ هذه الفكرة جاءت من الأصدقاء أعضاء مجلس الإدارة، والأرجح عندي أنَّها ثمرةُ النَّظرة التجاريَّة للشركة التي تتولَّى تنفيذ أعمال الجمعيَّة».


أكرِّر الرجاء
وأشار الدكتورُ صالح زيَّاد إلى أنَّ حفل التوقيع -بما يشمله من ندوة نقديَّة وتقديمٍ وترويجٍ إعلاميٍّ- ليس مجرَّد خدمات شخصيَّة للمؤلِّف، بل هو من صميم وظيفة المؤسَّسة الأدبيَّة في اختيار المُنجَز الجيِّد، وإبرازه.
وأضاف: «إن القضية لا تخص جمعية واحدة ولا مبلغ خمسة آلاف ريال، ونظراً لما يمكن أن يترتب على انتشار مثل هذا النموذج من آثار ضارة في نمو ثقافتنا وسمعتها، ومن تحويل وظائف الاختيار والتقويم والاعتراف الثقافي إلى خدمات قابلة للبيع والشراء، فإنني أكرِّر الرجاء لجمعية الأدب المهنية أن تعيد النظر في الفكرة، وأرجو من مقام وزارة الثقافة والجهات ذات العلاقة أن تأخذ المسألة مأخذ الجد، وأن تضع من الضوابط ما يحفظ للمؤسسات الثقافية رسالتها».
وأيَّدت الكاتبةُ والناقدةُ الدكتورةُ منى المالكي، المبادرةَ، مؤكدةً أنَّها تنقل توقيع الكتاب من اجتهاد فرديٍّ، إلى تجربةٍ منظَّمة تمنح الكاتبَ حضورًا إعلاميًّا، وتقدِّم دعمًا مهمًّا للكتَّاب الجُدد الذين يفتقدُون لدعم الناشر الكبير، معتبرةً أنَّ نجاح المبادرة ثقافيًّا يكون بتوفُّر معايير واضحة للشفافيَّة، تشمل إعلان أسعار الباقات، وآليات قياس الأثر.
وحذَّرت صراحةً من إدراج «الندوة النقديَّة» ضمن الباقات المدفوعة، موضِّحةً أنَّ النَّقد يفقدُ صدقيته حين يصبحُ خدمةً يشتريها صاحبُ العملِ المنقودِ، ممَّا يخلقُ تضاربًاً للمصالح، يحوِّل النقد من مساءلة معرفيَّة مستقلَّة، إلى خطابٍ احتفائيٍّ تزكويٍّ.
واختتمت الدكتورة منى المالكي، بالإشارة إلى أنَّ هذه الفكرة معمولٌ بها عالميًّا بصورٍ متعدِّدة، والخطورة تكمنُ في «تسليع الثقافة»؛ ليصبح الاحتفاء والاعتراف النقدي امتيازًا لمن يستطيع الدفع.
وطالبت بفصل النقد تمامًا عن الباقات التجاريَّة؛ لتتولَّى لجنة مستقلَّة اختيار الأعمال الجديرة بالقراءة والنقا؛ ليبقى المالُ مقابل التنظيم اللوجستي فقط، لا مقابل المكانة والتقدير النقديِّ.
تسليع الأدب
من جانبه، طالب الشاعرُ والكاتبُ وعضو مجلس الإدارة وأمينُ السرِّ في نادي أبها الأدبي -سابقًا- محمد بن عبدالرحمن الحفظي، بـ «إلغاء الفكرة من جذورها».
وكتب محذِّرًا: «عندما يتحوَّل الأدبُ إلى سلعةٍ، بدلًا من أنْ يُدعم الأديب بنشر أعماله ومكافأته ماديًّا ومعنويًّا، يأتي مَن يسوِّق له أعماله على حسابه الشخصيِّ»، مؤكدًا في الوقت ذاته أنَّ «الأدباء مُعْدَمُون إلَّا القلة».
وهم النجاح
وفي ذات السياق الرَّافض، علَّق الشاعرُ محمد التركي قائلًا: «ندعمك حتى تصل!.. يُفترض بالجمعيَّة أنْ توعي الكتّاب من مخاطر (وهم النجاح) عبر دفع المبالغ لدور النشر والمسوِّقين والمنصَّات، وأنْ توفر حلولًا مجانية لهم، دون وعود بالوصول».
باقتان لتعزيز الاستدامة المالية!
كانت جمعيَّة الأدب المهنيَّة قد أعلنت عن طرح الخدمة تحت شعار «ندعمكَ.. حتى تصل» عبر باقتين مع تقديم خصم 20% للأعضاء: الباقة الاحترافيَّة (5000 ريال): تشمل ندوة نقديَّة، وحفل توقيع في أيِّ مدينة، وتصويرًا، وترويجًا، وتصميم هويَّة بصريَّة، وتنظيم الحضور.
الباقة الأساسيَّة (2000 ريال): تشمل تجهيز موقع الحفل، وجدول زمني للتَّوقيع، والتَّرويج، والتَّنظيم.
وأكَّدت جمعيَّة الأدب المهنيَّة أنَّ هذه الخدمة تظل خيارًا إضافيًّا ومتاحًا بشكل «اختياريٍّ» للمؤلِّفين الرَّاغبين في الحصول على حزمة الخدمات التنظيميَّة والإعلاميَّة المتكاملة، دون أنْ تكون شرطًا مفروضًا على الحِراك الثقافيِّ العام، أو معيارًا وحيدًا للاحتفاء بالمنجزات الأدبيَّة.
وردًّا على هذا السجال، أصدرت الجمعيَّة بيانًا توضيحيًّا أكَّدت فيه على النقاط التالية:
* خيار لا فرض: الخدمة اختياريَّة تمامًا، وللأديب كامل الحريَّة في اختيار مكان توقيع إصداره دون أيِّ التزام.
* مقابل الخدمات لا المكان: الرسوم هي مقابل حزمة من الخدمات المهنيَّة والتنظيميَّة والتسويقيَّة، وليست ثمنًا لإتاحة مكان التوقيع.
* تكريس النقد: وجود الندوة النقديَّة في الباقة الاحترافيَّة يهدف إلى قراءة المنجز، والكشف عن مواطن قوَّته وضعفه بحيادٍ وموضوعيَّةٍ، وإثراء الحِراك الثقافيِّ.
* نموذج عالمي: تقديم خدمات مدفوعة لتنظيم فعاليَّات الكتب، والتَّرويج لها هو نموذج معمول به عالميًّا لدى جهات ثقافيَّة ودور نشر مختلفة، وليس ممارسة مستحدثة.
من جانبه، أوضح رئيس مجلس إدارة جمعيَّة الأدب المهنيَّة الدكتور حسن النعمي، أنَّ منصَّة توقيع الكتب «خدمة اختياريَّة» تتيحها الجمعيَّة للأدباء الرَّاغبين في الاستفادة منها، ولا يترتَّب على عدم الاشتراك فيها أيِّ التزام، وللأديب كامل الحريَّة في اختيار المكان والوسيلة المناسبين لتوقيع إصداره.
وأشار إلى أنَّ الجمعيَّة إحدى مؤسسات القطاع غير الربحيِّ، ومثل مؤسسات هذا القطاع تعمل على تنويع مصادر دخلها، وتنمية مواردها الذاتيَّة، بما يعزِّز استدامتها الماليَّة، ولتقوم بأداء مهامها على أكمل وجه.
مضيفًا: أودُّ الإشارة إلى أنَّ الندوة النقديَّة المصاحبة لتوقيع الإصدار تأتي تكريسًا لحضور النَّقد بوصفه شريكًا للعمل الإبداعيِّ؛ للكشف عن مواطن القوَّة والضعف فيه بكلِّ حيادٍ وموضوعيَّة، والإسهام في إثراء التجربة الإبداعيَّة وتطويرها.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store