Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الروائية عبير السماعيل: "هيرمينوطيقية أيامي" رحلة في تأويل الإنسان وقراءة ما وراء التجربة

A A
في الكتابة الروائية، لا تبدأ الحكايات دائماً بفكرة مكتملة أو شخصيات محددة الملامح، فقد تنطلق أحياناً من سؤال، أو تجربة، أو حتى تحد كتابي يفتح أمام الكاتب مساحة جديدة لاكتشاف قدراته وآفاقه الإبداعية.


وبين القصة القصيرة والعمل الروائي الطويل، خاضت الكاتبة عبير بنت ناصر بن عبدالله السماعيل تجربة مختلفة قادتها تدريجياً إلى روايتها "هيرمينوطيقية أيامي"، التي لم تولد في البداية بوصفها مشروع كتاب، وإنما بدأت كتجربة للانتقال إلى عالم سردي أكثر اتساعاً، قبل أن تنمو شخصياتها وأحداثها وأسئلتها لتتحول إلى رواية، ثم إلى كتاب يحمل رؤيتها الخاصة للإنسان وتجربته وما يختبئ خلف ظاهر الأحداث.


تتحدث عبير ناصر عبدالله السماعيل عن البدايات الأولى لـ"هيرمينوطيقية أيامي"، وقصة اختيار عنوانها غير المألوف، ودلالة غياب الزمان والمكان وأسماء الشخصيات، والعالم الداخلي للبطلة، إلى جانب رؤيتها لمسؤولية الكاتب عن الطريقة التي يتلقى بها القارئ النص، مؤكدة أن الكتابة بالنسبة لها ليست محو للذاكرة، وإنما محاولة لتحرير الإنسان من سطوة ما عاشه، وتحويل التجربة إلى شيء يستطيع أن ينظر إليه ويفهمه ويعيد تأويله.


* ما الذي كان في بداية "هيرمينوطيقية أيامي" فكرة، مشهد، شخصية، أم سؤال؟.
- "هيرمينوطيقية أيامي" لم تبدأ من فكرة منفردة أو مشهد محدد، بقدر ما بدأت من تحد كتابي بعد فترة من البحث والتعمق وشهور من الدورات المتخصصة في الكتابة، جاءت الشرارة الأولى من تحد مع الكاتب حسن البطران، وكان جوهره الانتقال من القصة القصيرة إلى عمل سردي أطول وأكثر اتساعاً، كيف يمكن أن تتحول حكاية مكثفة إلى عالم متكامل تنبض فيه الشخصيات، وتتسع فيه الحوارات، وتتطور فيه الأحداث؟، من هنا بدأت التجربة، لم أكن أمام فكرة جاهزة لرواية، بقدر ما كنت أمام مساحة حقيقية لاختبار ما تعلمته في الكتابة، ومحاولة اكتشاف إلى أين يمكن أن تأخذني الحكاية إذا منحتها مساحة أكبر.
ومع اتساع هذه المساحة، بدأت الشخصيات تكتسب أبعاداً أكثر عمقاً فهناك الجسد بوصفه حضوره المادي وحركته داخل العالم السردي، والوجدان بما يحمله من صراع واختيار، ثم الروح بوصفها النواة الأعمق التي تحرك دوافع الإنسان وتمنح أفعاله معناها، وهكذا، تشكلت الرواية تدريجياً من داخل التجربة نفسها، حتى أصبحت في النهاية حصاد ذلك التحدي وتتويجاً لمرحلة طويلة من التعلم والبحث.


* "هيرمينوطيقية أيامي" غير مألوف، كيف اخترتِه، وما علاقته بالرواية؟.
- في الواقع، قصة اختيار عنوان "هيرمينوطيقية أيامي" كانت نقطة تحول محورية في مسار الرواية، في البداية، كان للعمل عنوان مختلف تماماً، لكن عندما تقدمت بالرواية للمشاركة في "مبادرة الكتاب الأول" التابعة لوزارة الثقافة، خضع العمل للتقييم، وكان من بين الملاحظات النقدية أن العنوان الأول لا يعكس خصوصية النص ولا القيمة التي يحملها.
هذا النقد لم يدفعني إلى تغيير العنوان فحسب، بل فتح أمامي مساحة لإعادة النظر في أجزاء من الرواية وتطويرها، ومع كل مراجعة، بدأت أكتشف أن النص نفسه يتجه نحو معنى أعمق مما كنت أتصور في بدايته. ومن هنا جاء عنوان "هيرمينوطيقية أيامي" لم يكن اختياراً لغوياً غريباً لمجرد الاختلاف، بل كان محاولة لاختزال جوهر الرواية في كلمتين، فـ "الهيرمينوطيقية" ترتبط بالتأويل وفهم المعاني الكامنة خلف النصوص والتجارب، بينما أيامي تحيل إلى التجربة الإنسانية وما تحمله من أحداث وذكريات وأسئلة، لذلك أصبح العنوان امتداداً طبيعياً للرواية، فهو يعبّر عن رحلة البحث في معنى الأحداث وتأويلها، ومحاولة فهم ما وراء الظاهر فيها، سواء على مستوى الشخصيات أو التجربة الإنسانية التي تمر بها. وبذلك ابتعد العنوان عن المباشرة، وأصبح أكثر انسجاماً مع طبيعة العمل وطبقاته الفكرية والسردية.


* لو حذف العنوان، بأي جملة واحدة من داخل الرواية تعرفينها؟.
- لو تم حذف العنوان، فربما أختصر "هيرمينوطيقية أيامي" في جملة واحدة وردت داخل الرواية، "اكتبيه إن أردتِ نسيانه"، بالنسبة لي، لا تعني الكتابة هنا محو الذاكرة، وإنما تحرير الإنسان من سطوة ما عاشه، أن يحول التجربة من شيء يسيطر عليه إلى شيء يستطيع أن ينظر إليه ويفهمه ويعيد تأويله، ولهذا أجد أن هذه الجملة تختصر جوهر الرواية أكثر من أي وصف خارجي لها.
* متى شعرتِ أن الفكرة التي بدأتِ بها أصبحت مشروعاً روائياً كاملاً؟.
- الحقيقة أنني لا أستطيع تحديد لحظة واحدة شعرت فيها أن ما أكتبه أصبح مشروعاً روائياً كاملاً، لأنني عندما بدأت "هيرمينوطيقية أيامي" لم أكن أكتب وأنا أتخيل أنها ستتحول يوماً إلى كتاب مطبوع، كانت في بدايتها تجربة وتحدياً كتابياً، وكنت أتعامل معها بوصفها مساحة أختبر فيها قدرتي على الانتقال من القصة القصيرة إلى عمل سردي أكثر اتساعاً، ومع الكتابة، بدأت الحكاية تتسع من تلقاء نفسها، الشخصيات أصبحت أكثر حضوراً، والأحداث أخذت تتشابك، والأسئلة التي يطرحها النص بدأت تتجاوز حدود التجربة الأولى، ربما كان اكتمال العمل هو اللحظة التي بدأت فيها أنظر إليه بوصفه عملاً متكاملاً، لكن حتى عندها لم تكن فكرة الطباعة حاضرة بالضرورة في ذهني.
أما قرار أن تتحول هذه الأوراق إلى كتاب، فأتى لاحقاً، ولذلك أعتقد أن "هيرمينوطيقية أيامي" لم تولد منذ البداية كمشروع كتاب، وإنما ولدت أولاً كنص، ثم نضجت تدريجياً حتى أصبحت رواية، وبعد ذلك فقط أصبحت كتاباً.


* اعتمدتِ في الرواية على غياب الزمان والمكان وأسماء الشخصيات، كيف ولد هذا الأسلوب، وما الذي أردتِ أن يحققه داخل الرواية؟.
- هذا الأسلوب لم يكن قراراً شكلياً بقدر ما كان جزءاً من طبيعة الرواية نفسها، كنت أريد أن أبقي التركيز على الإنسان من الداخل، لا على التفاصيل التي تحيط به من الخارج، لذلك غاب التحديد الصريح للزمان والمكان والأسماء، حتى لا تصبح الحكاية مرتبطة بسياق جغرافي أو زمني محدد، وإنما تبقى مفتوحة على التجربة الإنسانية نفسها. بالنسبة لي، لم يكن المهم أن يعرف القارئ أين حدث الأمر أو في أي عام حدث، بقدر ما يهمني أن يعيش أثره مع البطلة، ماذا شعرت؟ وكيف انعكست التجارب عليها؟ وما الذي تركته في داخلها؟ وأعتقد أن هذا التركيز جعل القارئ أقرب إلى المشاعر نفسها، لأن التفاصيل الخارجية لم تكن تنافسها على مساحة السرد، فكانت المشاعر هي التي تتقدم إلى الواجهة، كما أن غياب هذه التفاصيل يمنح الرواية مساحة للتأويل، فلا يجد القارئ كل الإجابات جاهزة، وإنما يشارك في بناء الصورة وقراءة ما وراء الأحداث، وهذا يتقاطع مع روح "هيرمينوطيقية أيامي"، فالرواية في جوهرها ليست بحثاً عن مكان أو زمن بقدر ما هي محاولة لقراءة الإنسان وتأويل ما عاشه.
* الشخصيات التي تظهر في عالم البطلة الداخلي تحمل أسماء، بينما بقيت الشخصيات الأخرى بلا أسماء، ما الذي جعلكِ تفرقين بينها بهذه الطريقة؟.
- لأن الشخصيات التي تظهر في العالم الداخلي للبطلة تمثل في حقيقتها حالات إنسانية يمكن لأي شخص أن يمر بها في مرحلة من حياته؛ كالرغبة في إرضاء الآخرين، والتمرد، والشجاعة، والخوف، والخضوع، والسعادة، لذلك منحتها أسماء حتى لا تبقى مجرد مشاعر عابرة، بل تصبح حاضرة أمام القارئ وكأنها شخصيات يمكن أن يلتقي بها ويتعرف إليها، وكنت أريد أن يشعر القارئ بأن البطلة لا تتحدث عن أشخاص آخرين بقدر ما تتحدث عن حالات قد تكون موجودة داخله هو أيضاً، قد يقرأ اسماً فيجد نفسه فيه، أو يمر بموقف فيشعر أنه عاش هذه الحالة من قبل. وهنا يصبح العالم الداخلي للبطلة مساحة يمكن للقارئ أن يرى نفسه فيها، لا مجرد عالم خاص بها.
أما الشخصيات الأخرى، فبقيت بلا أسماء لأنني لم أرد أن أسحب التركيز إليها، كان الأهم بالنسبة لي هو ما تتركه في البطلة، وكيف تنعكس علاقتها بها على عالمها الداخلي.


* هل الكاتب مسؤول عن الطريقة التي يفهم بها القارئ نصه؟.
أعتقد أن مسؤولية الكاتب تبدأ بصدقه مع نفسه، ثم بصدقه مع القارئ، وعليه أن يكون صادقاً فيما يكتب، وألا يفرض على النص ما لا يؤمن به، وأن يقدم تجربته كما يراها ويشعر بها، أما الطريقة التي سيفهم بها القارئ النص، فلا أعتقد أن الكاتب يستطيع التحكم فيها، وكل قارئ يأتي إلى النص بعالمه الخاص، بشخصيته، وبيئته، وتجربته، ودرجة خبرته واطلاعه، ولذلك قد يقرأ شخصان النص نفسه، ويخرج كل منهما بفهم مختلف، وربما يرى أحدهما معنى لم يره الآخر أصلًا. وهذا بالنسبة لي ليس مشكلة في النص، بل جزء من طبيعة القراءة نفسها. أنا مسؤولة عن صدقي في الكتابة، لكنني لا أستطيع أن أطلب من كل قارئ أن يرى النص بعيني، ربما لهذا أحب أن أترك في الكتاب مساحة للتأويل، لأن النص حين يصل إلى القارئ يبدأ حواراً جديداً معه، ويصبح لكل قارئ طريقته في قراءة ما بين السطور.
هكذا، تصبح "هيرمينوطيقية أيامي" أكثر من حكاية مرتبطة بزمان أو مكان أو أسماء محددة، إذ تتحول إلى مساحة إنسانية أوسع، تبحث في ما وراء الظاهر، وتحاول فهم التجربة وإعادة تأويلها، ولعل عبارة "اكتبيه إن أردتِ نسيانه" تختصر هذه الرحلة بأكملها، حيث لا تصبح الكتابة وسيلة لمحو الذاكرة، وإنما طريق لتحرير الإنسان من سطوة ما عاشه، والنظر إلى تجربته من جديد، وفهمها، ومنحها معنى مختلف.


contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store