خطوة رائدة أقرَّت وزارة التعليم (مشروع نظام التعليم العام)، الذي يدعم التغيُّرات الجذريَّة في التنمية الوطنيَّة، بجعل جودة التعليم من أساسيَّات النظام.
وحقيقةً، إنَّ وجود نظام جديد لا يعني أنَّنا كنَّا نسيرُ في عكس الاتجاه خلال 60 عامًا، وقد جاء التطوير لمواكبة المستجدَّات العلميَّة والتقنيَّة، والتطوُّرات العالميَّة، والفلسفة التعليميَّة.. والدليل أنَّه بالاطِّلاع على المادة (2) من النظام، وجدت ما يثلج الصدر، فلا زالت أهم الأهداف: غرس العقيدة الإسلاميَّة، والإيمان بالله، وتعزيز القيم المستمدَّة من القرآن الكريم، والسُّنَّة النبويَّة الشَّريفة. وكذلك ترسيخ الهويَّة الوطنيَّة وتاريخ الوطن. بالإضافة إلى المهارات المعاصرة مثل: إكسابهم المهارات التواصليَّة والعلاقات الإنسانيَّة، وتنمية قدرات التفكير الإبداعيِّ والناقد، وحل المشكلات ومهارات البحث والابتكار، والتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعيِّ.
ومن أجمل مواد النظام أيضًا حقُّ التعليم الإلزامي للطفل من سن ٦ سنوات، وحتى 15 سنةً، فهي أحد أهم الحقوق، وترسيخ مفهوم العدالة الاجتماعيَّة، وتكافؤ الفرص التعليميَّة.
إنَّ مجلس التعليم العام يرأسه معالي وزير التعليم، وكوكبة من معالي وزراء الاقتصاد والتخطيط، والموارد البشريَّة، والثقافة، والماليَّة، والرِّياضة، وممثِّل عن مؤسَّسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة، ورئيس تقويم التعليم، وبعض مديري المدارس.. كل ذلك لتكون القرارات بناءً على أسس تخطيطيَّة واقتصاديَّة وإداريَّة ناجعة لوضع اللوائح والأنظمة للميدان.
وما نتمنَّاه متابعة المدارس الخاصَّة -كما في المادة (39)- وعدم رفع الرسوم الدراسيَّة، فهناك مبالغة في الأسعار، بالرغم ممَّا تقدِّمه الوزارة من دعم للكتب والمقرَّرات الدراسيَّة، فجميعها تُقدَّم مجانًا للطلاب كما في المادة (35). والمادة (38) تؤكِّد على وجود دعم ماليٍّ وعينيٍّ لهم.
إنَّ الاهتمام بالطالب، هو محور العمليَّة التعليميَّة، ولذلك جاءت المادة (24) لتؤكِّد على التنسيق مع وزارة الصحَّة، ووزارة الموارد البشريََّة للرعاية الصحيَّة للطلاب، والتشخيص لأيِّ خللٍ في النمو الجسديِّ أو النفسيِّ أو الذهنيِّ، مع دمج ذوي الإعاقة في التعليم، وفصل الحالات التي لا يمكن دمجها؛ ليحصل كلُّ فرد على حقوقه التعليميَّة والتربويَّة.
كما نصَّ النظامُ على تقديم رعاية خاصَّة للموهوبين
-وإن كانت هذه موجودة سابقًا- ولكن جاء النظامُ ليؤكِّد على أهميَّة هؤلاء في تنمية الوطن، خاصَّة وأنَّنا حقَّقنا مراكز متقدِّمة في الأولمبياد، في الرِّياضات والعلوم والفيزياء النوويَّة وغيرها.
بل إنَّ تسريع الطلاب الذي جاء في المادة (29) خطوة جديرة بالاعتزاز بتعليمنا، فليس من الضروري أنْ يبقى الطفل ٦ سنوات كاملة في الابتدائي، بينما يمكن اختصارها في ثلاث أو أربع سنوات. وجاء دمجُ التعليم الحضوريِّ مع التعليم الإلكترونيِّ لتعزيز الانفتاح على تقنيات العلم وفق الضوابط المنظِّمة؛ ولكن ما نتطلَّع له أنْ تكون المدارس مجهَّزةً بما تحتاجه من التعلُّم التقنيِّ، ومن الوسائل والمواد التي تثري الحصَّة الدراسيَّة.
ويوفِّر النظامُ فرصَ التعليم المستمر للمواطنين ممَّن تجاوزوا سنَّ التعليم الإلزامي، ومعنى ذلك الاستمرار في برامج محو الأميَّة، وهذه أيضًا خطوة رائدة تُشكر عليها الوزارة، وما نتطلَّع إليه أنْ يتضمَّن ذلك محو الأميَّة في (التعليم الإلكترونيِّ)، الذي أصبح أداة أساسيَّة للإنسان لمواجهة تحدِّيات الحاضر والمستقبل.
ما نتمنَّاه كما جاء في المادة (44)، ضرورة توفير البيئة التعليميَّة التي تمكِّن الطلاب من التحصيل العلميِّ والتربويِّ، وأنْ تكون بيئة آمنة نفسيًّا واجتماعيًّا وجسديًّا. وفي المقابل حدود الطالب تجاه المدرسة والمعلِّمين والهيئة الإداريَّة، والتزامه بالتحصيل العلميِّ، واكتساب المهارات، والالتزام بقواعد السلوك والمواظبة.
أخيرًا، فإنَّ هذا المشروع يمثِّل تحديثًا تشريعيًّا، ومرحلةً جديدةً تحتاج إلى لوائح إرشاديَّة وتنفيذيَّة، ومهام لكلِّ عنصر من عناصر العمليَّة التعليميَّة.. ولكنَّ السؤال الذي يطرح نفسه: ما مدى موافقة هذا النظام مع نظام (المدارس المتكاملة)؟، وما موقع الإشراف التربويِّ من النظام، الذي نتمنَّى أنْ يأخذ حقه بشكلٍ كافِ؟.


