Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

تنومة.. بين كرم الإنسان وسحر المكان

A A
هناك أماكن لا يكتفي جمالها بأن يُرى، بل يترك في النفس أثراً يُشبه الذكرى الجميلة؛ أماكن تمتزج فيها الطبيعة بالتاريخ، ويصافح فيها عبق الماضي آفاق المستقبل. وتنومة واحدة من تلك الأمكنة التي لا تستقبل زائرها بمناظرها وحدها، وإنما تفتح له أبوابها بكرم أهلها، وثراء ذاكرتها، ودفء مجالسها؛ حتى يغادرها وفي القلب شيء من روحها.
تلبيةً لدعوة كريمة من معالي الأستاذ علي الملفي، وجمعية «إرثنا التاريخي» بتنومة، تلك النبتة الجميلة من بلادنا الغالية، قمتُ برفقة معالي الدكتور محمد العوهلي، ومعالي الدكتور نايف الحجرف، الأمين العام السابق لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وعالم القلب البروفيسور عبدالله العبدالقادر، بزيارة منطقة تنومة والمشاركة في ملتقى جمعية «إرثنا التاريخي» بتنومة.
وتشرّفت بإلقاء كلمة المشاركين في حفل افتتاح الملتقى، كما شاركت في الجلسة النقاشية في يومه الختامي، التي أُقيمت في إحدى كليات جامعة الملك خالد بأبها.
ودارت محاور الملتقى حول سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن توظيف الإرث التاريخي الذي تمتد جذوره في تنومة إلى مئات السنين، وتحويله إلى قوة ناعمة، وإلى أحد محركات الاقتصاد في المنطقة؟ وهو توجه تتبناه دول كثيرة حول العالم، استطاعت أن تستثمر ما لديها من إرث تاريخي وثقافي في جذب ملايين السياح سنوياً، وتحويل الذاكرة إلى قيمة اقتصادية وحضارية مستدامة.
لقد استطاعت جمعية «إرثنا التاريخي» بتنومة أن تصنع حراكاً مميزاً، رغم حداثة عمرها؛ فهي في عامها الثاني من التأسيس، ويقف على رأسها البروفيسور فايز الشهري، بما عُرف عنه من خُلُق رفيع وعلم عميق، إلى جانب أعضاء مجلس إدارتها، ومنهم عضو مجلس الشورى السابق لعدة فترات، الدكتور فايز بن عبدالله الشهري، صاحب المواهب المتعددة والاهتمامات ذات القيمة العالية.
وكانت اللقاءات حافلة بالود والكرم الأصيل من رجالات تنومة؛ فقد استضافنا على قهوة العصر الشيخ علي بن سعد الشبيلي، وكيل شيخ شمل قبائل بني أثلة من بني شهر، وتناولنا طعام الغداء في منزل الدكتور عبدالرحمن آل هشبول في الربوعة، وقبله في دار «كريم تنومة» معالي الأستاذ عبدالله الملفي.
كما التقينا عدداً كبيراً من رجالات تنومة، منهم رجل الأعمال الشيخ علي بن سليمان الشهري، وكان لنا لقاء مع عدد من الأكاديميين وأصحاب الفكر والأدب.
إن تنومة جميلة؛ وهي بحق «ملكة جمال عسير»، وهو الاسم الذي أطلقه عليها أخي الكريم الدكتور زياد الدريس في مقال سابق له.
ولدي نصيحة أخيرة لكل من يزور تنومة مستقبلاً: لا تُهملوا الميزان يومياً! فكرم الضيافة ولذة الطعام قد يضيفان إلى أوزانكم بضعة كيلوجرامات، حتى وإن كانت تنومة نفسها من أجمل الأماكن لممارسة رياضة التسلق والمشي الجبلي «الهايكنج».
وبين الطعام الشهي، والمشي في الجبال والوديان، سيجد الزائر نفسه أمام معادلة تنومية فريدة: كرمٌ يزيد الوزن، وطبيعةٌ تساعد على استعادته!
غادرت تنومة، لكنني حملت معي شيئاً من روحها؛ ابتسامات أهلها، ودفء مجالسها، وثراء ذاكرتها، وإيمان رجالها بأن التاريخ ليس صفحات تُحفظ، وإنما رأس مال حضاري يمكن أن يصنع المستقبل. ولعل هذا هو المعنى الأجمل الذي حملته من الملتقى: أن المدن التي تعرف قيمة ماضيها تستطيع أن تجعل منه جسراً إلى غدها، وأن التراث حين يجد من يحسن قراءته واستثماره، يتحول من ذاكرةٍ ساكنة إلى قوةٍ حية، ومن حكايةٍ تُروى إلى مشروعٍ يُبنى.
شكراً لتنومة وأهلها؛ شكراً لكرمٍ جعل الزيارة أُنساً، ولتاريخٍ جعلها حكاية، ولطبيعةٍ جعلت المكان قصيدة. وأختم بالعبارة التي تختصر كل هذا الحب: «من يحب تنومة ما ألومه».
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store