Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

(9) أسئلة حول توقف «الرياض» الورقية

A A
قبل سنة تقريباً، كتبت مقالًا بعنوان «ثمانية إجابات أساسية عن التحول الرقمي للصحف»، انطلاقًا من قناعة راسخة لدي بأن مستقبل الصحافة المطبوعة لن تحدده الرغبة في بقائها، وإنما تحدده تحولات الجمهور، واقتصاديات الصناعة، وقدرة المؤسسات على التكيُّف وقبول التغيير. واليوم، بعد قرار مؤسسة اليمامة إيقاف طباعة «الرياض» و»اليمامة» والاكتفاء بالنشر الرقمي، وتباين الآراء وردود الفعل حول القرار، أجدُ من المهم العودة إلى ذلك المقال، والإجابة عن أكثر الأسئلة تكرراً بعد صدور القرار، في محاولة لفهم ما حدث وما يليه:
1- هل كان القرار مفاجئًا؟.
منذ ظهور الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي، لم يتوقف النقاش حول مستقبل صحافتنا المطبوعة وإمكانية أفولها، فما حدث الآن ليس بداية القصة، وإنما محطة متقدمة في مسار طويل.. المفاجئ في الواقع ليس القرار، بل تفاجؤ البعض به.
2- لماذا تم الإيقاف؟.
هو بمثابة استجابة منطقية -ولو متأخرة- للتغيُّر الجذري في اقتصاديات الصناعة.. ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع، تراجع الإعلان الورقي، تغيُّر عادات القراء، وظهور بدائل رقمية أسرع وأقل تكلفة.. باختصار، انهيار جدوى النموذح الورقي.
3- إذا كانت صحف كبرى عالميًا ما زالت تصدر ورقيًا، فلماذا التوقف؟ وهل كان القرار حتميًا؟.
صحيح أن صحفًا مثل «نيويورك تايمز» و»واشنطن بوست» ما زالت تصدر ورقيًا، كما أن الورق لا يزال حاضراً في أسواق مثل اليابان والهند وكوريا الجنوبية. لكن المقارنة المباشرة ليست دقيقة، فلكل سوق ظروفه الاقتصادية والإعلانية وسلوك قرائه ونموذج عمله. كما أن الصحف الأمريكية المذكورة بنت لنفسها -مبكراً- نماذج رقمية قوية، وأصبح الورق ثانوياً لواقعها الحالي وتطلعاتها المستقبلية.
أما في السعودية، فإن تغيُّر اقتصاديات الصناعة جعل استمرار النموذج التقليدي أقرب إلى الاستحالة. فما حدث لـ»الرياض» ليس حالة منفردة، وإنما نتيجة لمسار طال كافة الصحف السعودية دون استثناء، وأدى لخروج بعضها من السوق، واضطرار البعض الآخر لتقليص عملياته بصورة كبيرة. لذلك فإن قرار التوقف كان حتمياً، ليس لأن الورق انتهى في كل مكان حول العالم، بل لأن واقع النموذج الورقي في السوق السعودي وصل إلى مرحلة مختلفة استدعت ذلك.
4- هل يعني توقف الورق نهاية الصحافة؟.
قطعًا لا.. فالذي تراجع هو الورق كوسيلة، وليس الصحافة كمهنة وقيمة، بل إن الحاجة إلى الصحافة المؤسسية الموثوقة تزداد في بيئة تتسع فيها المعلومات المضللة والمحتوى غير الموثوق.. يموت الورق وتبقى الصحافة ما بقي الزمان.
5- ماذا بعد إيقاف الورق، والتوجُّه للرقمنة؟.
من المهم إدراك أن إيقاف المطبعة والرقمنة والـPDF لا يعني تحولاً رقمياً.. فـ»الرقمنة» تنقل المنتج القديم إلى وسيط جديد، أما التحول الرقمي الحقيقي فيعيد بناء المحتوى، وغرفة الأخبار، وفهم الجمهور، والمنصات، وتجربة القارئ، ونموذج الإيرادات.
6- هل يعني ذلك أن «التحول الرقمي» هو الحل؟.
التحول الرقمي وحده ليس حلاً أيضاً، بل ينبغي أن يصاحبه تحول شامل في كافة أجزاء الهيكل التنظيمي: مجلس الإدارة، وظائف التحرير دون استثناء، سلم الرواتب وطبيعة الحوافز، برامج التدريب وتقييم الأداء.
7- ما هو أكثر أخطاء «التحول الرقمي» خطورة؟.
أكثر الأخطاء التي تعيق التحول الرقمي للصحف هي: ضعف الإعداد والتدريب، مقاومة التغيير، سيطرة الفكر التقليدي، والتحول الرقمي الوهمي.
8- ماذا يتبقى للصحيفة بعد الورق؟.
يتبقى الكثير: اسم تجاري عريق، ثقة متراكمة عبر عقود، خبرة صحفية، أرشيف غني، شبكات مصادر وعلاقات، وهوية تحريرية. وهذه أصول غالباً لا تملكها المنصات الجديدة.. لكن امتلاكها لا يكفي وحده، فالتحدي هو تحويلها إلى محتوى أصلي ذي قيمة، ومنتجات رقمية، وتجربة مميزة للقارئ، ونموذج دخل مستدام.
9- ماذا بعد توقف الورق؟.
هنا يبدأ الاختبار الحقيقي، فالمطلوب ليس استبدال الورق بالشاشة، وإنما الانتقال من عقلية الصحيفة الورقية إلى عقلية المؤسسة الإعلامية الرقمية: محتوى أصلي فريد، منصات أكثر ذكاءً، فهم دقيق للجمهور، فكر إبداعي متجدد، تنويع مصادر الدخل، واستثمار واعٍ وحقيقي (غير وهمي) في البيانات والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على الخبرات الصحفية وتطويرها.
وللحديث بقية...
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store