حين أتحدَّثُ عن براكين المملكة، في خارج المملكة، أو حتى في داخلها، أرى الدَّهشة على الوجوه. فقد اختُزلتُ صورة الجزيرة العربيَّة في الرِّمال والسَّواحل، وغاب عن كثيرِين، عالمٌ آخرُ يمتدُّ على طول غرب المملكة: حرَّات واسعة تضمُّ نحو ثلاثة آلاف بركانٍ صغيرٍ، تحيط بها مساحاتٌ من الطُّفوح البازلتيَّة.
قضيتُ سنواتٍ أتنقَّلُ بين هذه الحرَّات، أقرأُ صخورها، وأصعدُ مخاريطها، وأتتبَّعُ مسارات حممِهَا. ومع الوقت نشأ بيني وبينها ارتباطٌ يتجاوز العمل العلميَّ. فكلُّ مخروط يحمل قصَّة ثوران، وكلُّ طفحٍ أسودَ يسجِّل رحلة صهارة صعدت من الأعماق، وحتى الصَّمت هناك يبدُو ممتلئًا بما يستحقُّ أنْ يُروى. إنَّها رصيدٌ وطنيٌّ للعلم والتَّعليم والسِّياحة الجيولوجيَّة والبيئيَّة، وفرصة اقتصاديَّة لم نكشف بعد سوى جزءٍ يسيرٍ منها.
في حرَّة خيبر يقفُ جبل قِدر، الذي رشَّحتُه وزميل للاتحاد الدوليِّ للعلوم الجيولوجيَّة؛ ليكون ضمن مواقع التراث الجيولوجيِّ العالميَّة، وقد كان. وفي حرَّة كِشب تنفتحُ فوَّهة الوعبة، إحدى كُبْرى وأعمق الفوَّهات البركانيَّة الانفجاريَّة في الجزيرة العربيَّة، بعرض يقارب 2.3 كيلومتر، وعمق نحو 250 مترًا. أمَّا القطاع الشمالي من حرَّة رهط، المعروف بحرة المدينة، فيحمل سجلًا تاريخيًّا يشمل ثوران سنة 654هـ، الموافق 1256م.
وجاءت مسابقة هيئة تطوير منطقة المدينة المنوَّرة لإعادة تصور جبل أم نثيلة خطوة تستحق التقدير. فبرنامجها يجمع مسارات المشي ونقاط المشاهدة، ومركز الزوَّار، ووحدات الضيافة، والنزل البيئي، ويقدِّم نموذجًا لما يمكن أن تصبح عليه مواقعنا البركانيَّة حين يلتقي التَّصميم بالمعرفة الجيولوجيَّة.
ويمكن أنْ يُضاف إلى مشروع أم نثيلة متحفٌ بركانيٌّ تفاعليٌّ، ينضم إلى منظومة متاحف المدينة التراثيَّة والثقافيَّة والدينيَّة. فالمدينة التي تروي في متاحفها تاريخ الإنسان، والدِّين، والثقافة، تحتاج أيضاً إلى متحفٍ يروي قصة أرضها، ويشرح كيف أسهمت الحرَّات وطفوحها البازلتيَّة في تشكيل تضاريسها وهويتها الطبيعيَّة. فقد ورد في الحديث الصَّحيح: «إِنِّي أُريتُ دارَ هِجرَتكُم ذاتَ نخلٍ بينَ لابَّتَينِ، وَهُمَا الحرَّتَانِ»، والمقصود حرة واقم شرقًا، وحرة الوبرة غربًا.
وعلميًّا، تتفاوت هذه الحقول في أعمارها، وسجلات نشاطها؛ فبعضها شهد ثورانات في الأزمنة التاريخيَّة. ويحتاج استثمارها، إلى فهم حساسيتها الجيولوجيَّة والبيئيَّة، وتحديد طاقتها الاستيعابيَّة، وإنشاء مسارات واضحة يقودها مرشدُون مؤهَّلُون. ويمكن إقامة نُزل فاخر محدود السِّعة بجوار جبل أو بركان ماطان في موضع مدروس، بمنشآت خفيفة منخفضة الأثر، بحيث يستمتع الزَّائر بالمكان من دون أنْ يدفع الموقع ثمن الزيارة.
والعائد أوسع من تذكرة دخول، أو ليلة إقامة. فالمسارات المدروسة تخلق فرصًا للمرشدِين، وتمنح المجتمعات القريبة نصيبًا من الضيافة والحرف والمنتجات المحليَّة، وتحوِّل الزيارة العابرة إلى تجربةٍ أطول وأغنى.
نجاح استثمار الحرَّات يبدأ من احترامها. وحين نحفظ صخورها، ونشرح قصتها، ونفتحها للنَّاس بحكمة، ستغادر تلك المساحات السوداء هامش الخريطة؛ لتصبح جزءًا أصيلًا من صورة المملكة في العالم.


