استوقفتني في الفترة الأخيرة بعض «البثوث المباشرة» في منصات التواصل ليس بسبب ما يقال فيها وإنما بسبب السؤال الذي تتركه بعد مشاهدتها: كيف استطاع الفراغ أن يتحول إلى محتوى ثم إلى جمهور ثم إلى مصدر دخل؟
تدخل إلى أحد هذه «البثوث» فتجد أربعة أشخاص وربما أكثر لا يجمع بينهم موضوع محدد. اختلاف في الأعمار والبيئات وطريقة الحديث وساعات طويلة من الكلام المتنقل بين المزاح و»التقطقة» و»المناكفات» والإيحاءات، فيما تتحرك أرقام المشاهدات والهدايا على الشاشة وكأن وجود الجمهور في ذاته دليل كاف على وجود شيء يستحق المتابعة.
وهنا في تقديري تستحق المسألة قراءة أبعد من نقد الأشخاص لست ضد الكسب من منصات التواصل ولا أرى أن الشهرة في ذاتها مشكلة، هذه المنصات صنعت سوقًا حقيقية ووفرت مصادر دخل لآلاف الأشخاص وخلقت وظائف ومهنًا لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل سنوات ومن الطبيعي أن يحاول الإنسان الاستفادة من هذه الفرص. المسألة ليست في المال وإنما في الثمن الذي يقبل بعض الناس دفعه للحصول عليه، هناك فارق بين أن تستثمر معرفتك أو موهبتك أو حضورك وبين أن تتحول حياتك الشخصية تدريجيًا إلى المادة التي تبيعها للجمهور وفي الحالة الثانية يدخل الإنسان في علاقة معقدة مع المتابعين، فهو يحتاج إليهم ليستمر وهم يحتاجون في كل مرة إلى شيء جديد حتى يستمر اهتمامهم به ومن هنا يرتفع سقف التنازل بالتدريج! ما كان خاصًا يدخل إلى البث وما كان محرجًا يتحول إلى طرفة والخلاف الشخصي يتحول إلى مادة للمشاهدة وحتى الإساءة يمكن أن تكتسب قيمة إذا رفعت عدد المتابعين والهدايا وهذه النقطة تحديدًا تستحق التأمل.
المنصات لا تقيس قيمة ما يقدمه الإنسان، وإنما تقيس التفاعل معه والفارق بين الأمرين كبير، المحتوى الجيد قد يحصل على عشرة آلاف مشاهدة و»المشاجرة» قد تحصل على مليون لكن الرقم هنا لا يقدم حكمًا أخلاقيًا أو ثقافيًا على أي منهما.
«الخوارزمية» تعرف أن الناس توقفوا عند المشهد لكنها لا تعرف لماذا توقفوا، وهذا ربما يفسر جانبًا من الخلل فقد يتعامل صاحب البث مع ارتفاع المشاهدات بوصفه قبولًا اجتماعيًا مع أن جزءًا من الجمهور قد يكون موجودًا للسخرية أو الفضول أو انتظار الخطأ فنحن نتوقف أحيانًا أمام ما نستغربه أكثر مما نتوقف أمام ما نحترمه.
الأخطر أن هذه المعادلة لا تبقى بين صاحب البث وجمهوره فهناك جيل أصغر يراقبها ويتعلم منها تعريفًا جديدًا للنجاح، يرى المراهق شخصًا لا يقدم معرفة واضحة أو مهارة استثنائية، ومع ذلك لديه آلاف المتابعين ويحصل على المال والهدايا ومن الطبيعي أن يقارن بين هذا الطريق وبين طريق آخر يحتاج إلى دراسة وعمل وصبر وتراكم طويل.
في السابق كانت الشهرة في الغالب نتيجة لشيء، يعرف الناس الكاتب بسبب كتابه، والفنان بسبب فنه، والرياضي بسبب إنجازه، والتاجر بسبب نجاحه. قدم الإنسان شيئًا، ثم جاءت المعرفة به نتيجة لذلك.
المنصات قلبت هذه العلاقة في بعض الحالات يمكن للشخص الآن أن يجمع الجمهور أولًا، ثم يبحث بعد ذلك عن المحتوى الذي يبقي هذا الجمهور حوله.
وهنا انتقلت الشهرة من كونها نتيجة إلى أن تكون هدفًا مستقلًا؟! ولا أعتقد أن المشكلة في التقنية نفسها «الهاتف» لم يطلب من أحد أن يكشف خصوصيته، والمنصة لم تجبر شخصًا على الدخول في «مشاجرة» والجمهور أيضًا ليس كتلة واحدة يمكن تحميلها المسؤولية المسألة في النهاية مرتبطة بالطريقة التي أعاد بها بعضنا تعريف النجاح إذا كان النجاح يقاس بعدد من شاهد فسوف تنتصر الإثارة في أوقات كثيرة أما إذا كان السؤال: لماذا شاهدوا؟ وماذا بقي لديهم بعد المشاهدة؟ فالحساب سيختلف كثيرًا.
قد يعرفك مليون شخص ولا تضيف معرفتهم بك شيئًا إلى رصيدك الحقيقي، وقد يعرفك عدد أقل بكثير ويبقى لك عندهم تقدير لا تستطيع ملايين المشاهدات شراءه.
* نقطة تحت السطر:
ربما لم تعد المشكلة في أن بعض الناس يقدمون حياتهم أمام الكاميرا وإنما في أن المنصات أقنعتنا تدريجيًا بأن عدد الذين ينظرون إلينا أهم من السبب الذي جعلهم ينظرون فالشهرة تخبرك كم شخصًا يعرفك لكنها لا تخبرك كم شخصًا يحترمك.


