Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

بين راحة مؤقتة.. وسكينة دائمة

د. سميرة بنت طاهر بنتن

A A
حين يتحوَّل الهروبُ إلى فلسفةٍ.. نخسرُ أنفسنا قبل أنْ نخسر النَّاس.
ليس كلُّ ما يريح النَّفس يُصلحها، ولا كلُّ ما يؤلمها يضرها.
فكم من تعبٍ صاغ إنسانًا قويًا، وكم من راحةٍ طويلةٍ أنجبت نفسًا هشَّةً لا تصمد أمام أول اختبار.
نعيش اليوم زمنًا يُسوِّق للرَّاحة كغاية، ويُقدِّم الانسحاب كوعي، ويُزيِّن الاعتزال حتى صار يبدو فضيلةً.
يُقال: إنْ أتعبتك علاقة فاتركها، وإنْ خالفك أحد فابتعد، وإنْ ضاق بك المكان فغادر، وإنْ أزعجك النقد فأغلق الباب.
وهكذا، شيئًا فشيئًا، يتحوًّل الإنسانُ إلى جزيرة معزولةٍ؛ لا يسمع إلَّا صوته، ولا يرى إلََّا ما يوافق هواه. لكن... أهذه هي الحياة التي أرادها الله؟
كلَّا. فاللهُ لم يعدنا بطريق مفروش بالرَّاحة، بل أخبرنا أنَّ الإنسان خُلق في كبدٍ، وأنَّ الأيام تتقلب، وأنَّ القلوب تُختبر، وأنَّ النضج لا يكون إلَّا بالصبر والاحتمال.
التربية الإيمانيَّة لا تصنع إنسانًا يهرب من الأذى، بل قلبًا يعرف كيف يتحمَّل دون أنْ يظلم، وكيف يواجه دون أنْ يفقد خلقه، وكيف يعيش بين النَّاس رغم اختلافهم.
وليس في ذلك دعوة للرِّضا بالظُّلم أو قبول الإهانة؛ فدينُنا دينُ عدلٍ وكرامةٍ، لكنَّه أيضًا دينُ حكمةٍ وصبرٍ. والفرق كبير بين من يحفظ كرامته، ومن ينسحب من كل طريق لمجرَّد أنَّه لم يوافق مزاجه.
أصبح بعضُ النَّاس يقيسُون العلاقات بمدى الرَّاحة التي تمنحها؛ فإذا ظهرت المشقَّة أعلنُوا النهاية، وكأنَّ العلاقات متعة مؤقتة لا ميثاق مودَّة. ونسُوا أنَّ أجمل العلاقات ليست التي تخلُو من الخلاف، بل التي تنجو منه.
وأنَّ البيوت لا تُبنى بالمشاعر وحدها، بل بالصبر، والتغافل، والرَّحمة، وحُسن الظَّن، والتنازل الكريم. فالأسرة التي لا تصبرُ تُهزَم سريعًا، والصداقة التي لا تحتمل العتاب لا تستحقُّ اسمها، والمجتمع الذي يهربُ أفرادُه من بعضهم يفقد دفئَه شيئًا فشيئًا.
لقد ربَّى الإسلامُ النُّفوسَ على قوَّة مختلفة؛ قوَّة لا تُقَاس بالصَّوت أو سرعة الرَّد، بل بسعة الصَّدر، وكظم الغيظ، والعفو عند المقدرة. ولهذا كان النبيُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يخالط النَّاس، ويصبر على أذاهم، وجعل خيرَ المؤمنِينَ مَن يصبر على مخالطةِ النَّاس، لا مَن يعتزلهُم هربًا من طبائعِهم.
ومَن يعتد الهروبَ لنْ يجدَ مكانًا بلا منغِّصات؛ فالنقصُ سُنَّة الحياة، والاختلافُ طبيعة البشر، والكمالُ للهِ وحده.
فإنْ جعل الإنسانُ راحته معيارَ قراراته، ضاقت دائرتُه حتى تكاد تخلو من الجميع. أمَّا إنْ جعل رضا الله ميزانه، اتَّسع قلبه، وهانت عليه الزلَّات، وصارت المواقف فرصًا للارتقاء لا أسبابًا للانسحاب.
النضج الحقيقي ليس إغلاق الأبواب، بل القدرة على فتح القلب دون فقدان التوازن.
وليس النَّجاحُ في تجنُّب الاختبارات، بل في عبورها. وليس السَّلامُ في الاختباء من النَّاس، بل في العيش بينهم بقلبٍ سليمٍ.
فلا تقلْ: سأتركُ كلَّ ما يزعجني. بل قل: سأتعلَّم كيف أتعاملُ مع ما يزعجنِي بما يرضي الله؛ عليه لا بُدَّ هنا أنْ نختارَ مَن نجالس؛ على مبدأ «قلْ لي مَن تُعاشر أقلْ لكَ مَن أنتَ». فبين راحةٍ مؤقتةٍ تصنعها العزلةُ، وسكينةٍٍ دائمةٍ يصنعها الإيمانُ... مسافةُ حياةٍ كاملةٍ.
اللَّهُمَّ ارزقنا قلوبًا لا تهزمها الشَّدائد، ونفوسًا تسمُو بالصَّبر، وأخلاقًا تتَّسع للاختلاف، وألسنة لا تقولُ إلَّا خيرًا. واجعلنا إذا ابتُلينا صبرنَا، وإذا أُوذينا عفونَا، وإذا اختلفنا أنصفنَا، وإذا عشنا بين النَّاس كنَّا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشرِّ. اللَّهُمَّ اجعل رضاكَ غايتنا، ولا تجعل أهواءَنا تقودُنا إلى قطيعةٍ أو ظلمٍ أو كِبرٍ، واجعلنا ممَّن يُصلحُون ولا يُفسدُون، ويجمعُون ولا يُفرّقون.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store