Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

العمر لا يقاس بعدد الشموع.. بل بعدد الأحلام

A A
حين يحتفلُ النَّاسُ بأعمارِهم ينشغلُ كثيرُون بعدِّ السِّنين، ويقيسُون الزَّمن بما انقضى من الأيَّام، وبعدد الشُّموع التي ازدانت بها كعكةُ الميلاد.
لكنَّ الحقيقة الأعمق، أنَّ العمر لا يُختزَل في رقمٍ، ولا يُقَاس بما مضى، بل بما بقي في القلب من شغفٍ، وفي الرُّوح من أملٍ، وفي العين من بريقٍ يتطلَّع إلى الغد.
فالشموعُ تذوبُ سريعًا، أمَّا الأحلامُ الصادقةُ فلا تنطفئُ إلَّا إذا استسلم صاحبُها. قد يشيبُ الرَّأس وقد تتثاقل الخُطُى، لكنَّ القلب الذي ما زال يحلم... قلب لم يهرم بعد. ومَن يملك حلمًا، يملك سببًا جديدًا ليستيقظ كل صباح، ويكتب صفحةً أُخْرى من رحلته.
كم من شابٍّ يحمل شهادة الميلاد، لكنَّه فَقَدَ دهشة البدايات، واستسلم لرتابة الأيام، فكأنَّ عمره توقَّف قبل أوانه. وكم من شيخٍ تجاوز الثَّمانين، وما زال يغرسُ فكرةً، ويعلِّم طالبًا، ويكتب كتابًا، ويصنع أثرًا، ويؤمن أنَّ القادمَ أجملُ. الأوَّل عاشَ سنواتٍ كثيرةً بلا حياة، والثاني عاش حياةً كاملةً في كل سنة.
الأحلامُ ليست ترفًا، بل هي الوقود الذي يحفظ للإنسان إنسانيته. إنَّها القوَّة التي تجعل الفشل درسًا لا نهاية، والعثرة خطوة نحو النجاح، والليل موعدًا لفجر جديد. وكل حلم يُولد في القلب يعلن أنَّ الحياة ما زالت تستحقُّ أنْ تُعَاش.
وليس المقصود بالأحلام تلك الأمنيات البعيدة، التي لا يرافقها عملٌ، بل الأحلام التي تتحوَّل إلى رسالةٍ وإلى سعيٍ دؤوبٍ، وإلى إيمانٍ لا تهزُّه العوائقُ. فكلُّ إنجازٍ عظيمٍ بدأ بحلم، وكلُّ حضارةٍ ازدهرت كانت يومًا فكرةً في عقلِ مؤمنٍ، وكلُّ أثرٍ خالدٍ وًلِد من قلب رفض أنْ يستسلم.
إنَّ أجملَ ما في الإنسان، ليس عدد سنواته، بل عدد المرَّات التي نهض فيها بعد سقوطه، وعدد الابتسامات التي رسمها على وجوه الآخرين، وعدد القلوب التي أحياها بكلمةٍ طيبةٍ، وعدد الأحلام التي حافظ عليها رغم قسوة الطريق. فهذه هي الشموع الحقيقيَّة التي تضيءُ العمر، ولا يطفئها مرورُ الزَّمن.
ومن رحمة الله بعباده، أنَّ الأمل لا يرتبطُ بسنٍٍّ معيَّنةٍ، ولا بمرحلةٍ محدَّدةٍ من الحياة. فما دام القلبُ ينبض، فإنَّ باب البدايات مفتوحٌ، وما دام الإنسانُ يتنفس، فإنَّ بإمكانه أنْ يتعلَّم ويبدع ويغيِّر ويحقِّق ما كان يظنُّه مستحيلًا. فالعمر الحقيقي يبدأ كلَّما وُلِدَ حلم جديد في القلب.
لذلك، لا تسأل أحدًا: كم عمركَ؟ بل اسأله: كم حلمًا ما زلت تحملُ؟ وكم فكرة تؤمنُ بها؟ وكم رسالة تسعى لتحقيقها؟ فهناك مَن عاشَ ثلاثين عامًا، وترك أثرًا يخلِّده التاريخُ، وهناك مَن عاش قرنًا كاملًا ولم يترك سوى رقمٍ في سجل المواليد والوفيات.
وفي النهاية ستنطفئُ كلُّ الشُّموع يومًا، وستختفي كل الأرقام، لكن الأحلام التي تحوَّلت إلى أعمالٍ، والأثر الذي بقي في حياة النَّاس، والذكر الطَّيب الذي يردِّده المحبُّون... تلك هي الأعمار التي لا تنتهي.
فالعمرُ لا يُقَاس بعدد الشُّموع على الكعكة، بل بعدد الأحلام التي ما زالت مشتعلةً في القلب، وبمقدار النور الذي تتركه في دروب الآخرين. فمن بقي يحلم... بقي حيًّا، ومَن بقي يصنعُ الأمل... بقي عمره يتجدَّد مع كلِّ فجرٍ جديدٍ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store