Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.سعود الغربي

الوظائف القيادية.. بين التواضع والجبروت!

A A
لا تخلق المهنُ الجبابرةَ، لكنَّها تمنحُ بعضَ أصحابِها مفاتيحَ السُّلطة. وما بين السُّلطة والأخلاق، تتحدَّد المسافة الفاصلة بين القيادة والجبروت.
منذُ أنْ عرف الإنسانُ التنظيم السياسيَّ والاجتماعيَّ، ارتبطت بعضُ المهن بسلطات استثنائيَّة. فالقاضي لا يملكُ المال، لكنَّه يملكُ الكلمة التي تُثبت حقًّا أو تسلبه. والمسؤولُ الحكوميُّ قد لا يحمل سلاحًا، لكنَّه يوقِّع قرارًا يُعيد رسم مستقبل وطن. والقائدُ العسكريُّ يتحرَّك في مساحة تتقاطع فيها القوَّة مع المصير، بينما يمتلكُ الإعلاميُّ قدرةً لا تقلُّ خطورة، إذ يصوغ الوعيَ، ويُعيد ترتيب أولويَّات المجتمعِ، ويمنح الأشخاصَ والوقائعَ حضورَهم أو غيابَهم.
وفي زمن الاقتصاد الرقميِّ، ظهرت طبقةٌ جديدةٌ من أصحاب النفوذ؛ لذلك لم يعد الجبروتُ حكرًا على صاحب السلطة أيًّا كان نوعها، بل أصبح في متناول مَن يملك الخوارزميَّة، أو البيانات، أو المنصَّة، أو رأس المال. فقرار يتَّخذه مديرُ شركة تقنية قد يغيِّر طريقة تواصل ملايين البشر، وخوارزميَّة واحدة قد تحدِّد ما يراه النَّاسُ وما يغيبُ عنهم، فتؤثِّر في الرأي العام، والسُّلوك، وحتى في تشكيل القناعات؛ ولذلك إعلاميًّا نحذِّر الجمهور من الانخداع أو الاستسلام لما تختاره لهم المنصَّات، أو القائمُون عليها.
الحقيقة الثابتة، أنَّ السُّلطة في جوهرها، محايدةٌ. فهي لا تحمل قيمةً أخلاقيَّةً بذاتها، وإنَّما تستمد معناها من الشَّخص الذي يمارسها، ومن المؤسَّسات التي تضبطها. ولهذا فإنَّ المجتمعات لا تخشى وجود السُّلطة بقدر ما تخشى انفرادها. فالسُّلطة التي لا يحدُّها قانون، ولا يراقبها رأيٌ عامٌّ، ولا تقوِّمها مؤسَّسات مستقلَّة، تتحوَّل تدريجيًّا من وسيلة لتنظيم الحياة إلى غاية في ذاتها، ومن خدمة النَّاس إلى السَّيطرة عليهم، ولهذا نواجه باستمرار مصطلح «استغلال السُّلطة».
والتاريخُ يبرهنُ أنَّ أكثر أشكال الجبروت لم تكن دائمًا نتاج القوة العسكريَّة، بل نتاج احتكار الحقيقة. فحين يعتقد أيُّ موظَّفٍ يملك سلطة أنَّ الوطن يبدأ عنده، وينتهي عنده، وحين يتصوَّر الإعلاميُّ أنَّ روايته هي الحقيقة الوحيدة، وحين يظنُّ القاضي أنَّ سلطته تعلو على العدالة، أو يعتقدُ صاحبُ المال أنَّ الثَّروة تمنحه حقَّ توجيه المجتمع، يبدأ الجبروتُ في التكوُّن، حتَّى وإنْ ظلَّ متخفِّيًا خلف لغة القانون أو شعارات المصلحة العامَّة أو ممارسة الصلاحيَّات النظاميَّة التي كيَّفها لبناء جبروته تدريجيًّا، على حساب الأمانة العامَّة.
لهذا، فإنَّ أخطر المهن ليست تلك التي تمنح أصحابها أكبر قدر من السلطة، بل تلك التي لا يرافق سلطتها قدرٌ مماثلٌ من المساءلة والمحاسبة، وأيضًا العقاب النظامي والصَّارم الذي يكبحها ويكافحها. فحيث تغيبُ المحاسبةُ، تتضخَّم الذَّاتُ، ويتحوَّل النفوذ إلى امتياز، والقرار إلى إرادةٍ فرديَّة، والمنصب إلى أداة لإعادة إنتاج القوَّة.
إنَّ السؤال الحقيقي، ليس أيُّ المهن تصنعُ الجبروت؟ بل كيف نمنعُ السَّلطة، أيًّا كان مصدرها، من أنْ تتحوَّل إلى جبروت؟ والإجابة التي انتهت إليها التجربةُ الإنسانيَّةُ بسيطةٌ في ظاهرها، عميقةٌ في معناها: لا عصمة لسلطة، ولا حصانة لنفوذ، ولا ضمانة للعدل إلَّا بسيادة القانون، واستقلال المؤسَّسات، ويقظة المجتمع.
وأختمُ بأنَّ السلطة اختبارٌ للإنسان أكثر منها مكافأة له. وكلَّما اتَّسعت صلاحياتُ المرء، اتَّسعت حاجتُه إلى التَّواضع؛ لأنَّ الجبروت لا يبدأ عندما يملك الإنسانُ القوَّة، بل عندما ينسى أنَّها أمانةٌ وليست ملكًا شخصيًّا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store