Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. عبدالله صادق دحلان

عندما ينخفض السهم عن سعر الاكتتاب.. من المسؤول؟

A A
شهدت السوقُ الماليّة -خلال السنوات الأخيرة- توسُّعًا لافتًا في الطروحات الأوليَّة، وهو تطوُّرٌ إيجابيٌّ يعكس تنامي دور السوق في تمويل الشركات، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وتعميق الاقتصاد الوطنيِّ، غير أنَّ هذا النشاط المتزايد يضع أمامنا ظاهرةً تستحقُّ الدراسة بموضوعيَّة: انخفاض أسعار بعض الأسهم، بعد إدراجها إلى مستويات تقلُّ عن سعر الاكتتاب، وأحيانًا بفارقٍ كبيرٍ.
وهنا يبرز سؤالٌ مشروعٌ: هل أخطأ السوقُ عندما أعاد تسعير السهم بعد الإدراج؟ أم أنَّ المشكلة بدأت قبل ذلك، عندما تمَّ تقييم الشركة، وتحديد سعر الطَّرح؟ والأهم: مَن يتحمَّل المسؤوليَّة إذا اتَّضح أنَّ المستثمر دفع سعرًا أعلى ممَّا تبرِّره القيمة الاقتصاديَّة للشركة؟.
بدايةً، يجب التَّأكيد أنَّ انخفاض السهم عن سعر الاكتتاب لا يعني تلقائيًّا وجود خطأ في التقييم، فالأسواق بطبيعتها متغيِّرة، وقد تتأثَّر الأسهم بارتفاع أسعار الفائدة، أو تراجع السوق، أو الظروف الاقتصاديَّة والجيوسياسيَّة، أو تغيُّرات في القطاع، أو انخفاض أرباح الشركة بعد الإدراج. ومن ثَمَّ، يجب التَّفريق بين انخفاض فرضته ظروفٌ جديدةٌ، وبين انخفاض يكشف أنَّ سعر الطرح كان متفائلًا منذ البداية.
فتقييم الشركات ليس علمًا دقيقًا، ينتج رقمًا واحدًا لا يحتمل الاختلاف، وإنَّما عمليَّة ماليَّة تعتمد على افتراضات بشأن النمو والأرباح والتدفُّقات النقديَّة، والمخاطر المستقبليَّة، وتستخدم أدوات متعدِّدة مثل التدفُّقات النقديَّة المخصومة، ومضاعفات الربحيَّة، والمقارنة بالشركات النَّظيرة.
وتبدأ الإشكاليَّة عندما تتحوَّل الافتراضات المتفائلة إلى أساس للتَّسعير، كأن تُفترض معدَّلات نمو مرتفعة لسنوات طويلة، أو تُستخدم شركات مقارنة ذات تقييمات مرتفعة، أو يُعطى المستقبل المتوقَّع وزنًا يفوق ما تبرِّره النتائج التاريخيَّة المحقَّقة.
فإذا كانت الشركة تحقِّق أرباحًا محدودةً، ثمَّ طُرحت عند مضاعف ربحيَّة يفوق متوسط شركات قطاعها بصورةٍ واضحةٍ، فمن حق المستثمر أنْ يعرف: ما المبررُ الاقتصاديُّ لهذا الفارق؟ وهل النمو المتوقَّع واقعيٌّ وقابلٌ للتحقُّق، أم أنَّ المستثمر يدفع اليوم ثمن نجاحٍ مستقبليٍّ لم يتحقَّق بعد؟.
وعندما تأتي النتائج بعد الإدراج بأقل من تلك التوقُّعات، يبدأ السوق في إعادة التقييم، وقد يكون انخفاض السهم عندها تصحيحًا لسعر طرح مرتفع، وليس مجرَّد تقلُّب طبيعيٍّ.
وهنا ينبغي توضيح نقطة جوهريَّة تتعلَّق بالمسؤوليَّة: إنَّ تقييم الشركة، وتحديد النطاق السعريِّ للطرح يقعان في الأساس ضمن مسؤوليَّة المستشار الماليِّ، بالتنسيق مع الشركة المصدِّرة والمساهمين البائعين –بحسب هيكل الطَّرح- وفق الأطر والضوابط المنظِّمة لعمليَّة الطَّرح وبناء سجل الأوامر، لذلك إنَّ المسؤوليَّة عن سلامة الافتراضات المستخدمة في التقييم وواقعيَّتها لا ينبغي أنْ تكون مسؤوليَّة مبهمة، أو موزَّعة بطريقة يصعب معها تحديد الطرف المهنيِّ المسؤول عنها.
كما ينبغي عدم الخلط بين دور المستشار الماليِّ، ودور مراجع الحسابات، فمسؤوليَّة مراجع الحسابات تتمثَّل أساسًا في مراجعة القوائم الماليَّة، وإبداء الرَّأي المهنيِّ بشأنها وفق المعايير المعتمدة، وليس تحديد سعر الطَّرح لمجرَّد أنَّه راجع حسابات الشركة. أمَّا إذا استعانت الشركة بجهةٍ متخصِّصةٍ لإجراء تقييم مستقلٍّ، فإنَّ منهجيَّة ذلك التقييم وافتراضاته تصبح -بطبيعة الحال- محلَّ مسؤوليَّة مهنيَّة تستحقُّ الفحص.
أمَّا هيئة السوق الماليَّة، فلا أرى أنَّ المطلوب منها أنْ تتحوَّل إلى جهةٍ تحدِّد أسعار الاكتتابات؛ لأن ذلك قد يحمِّل الجهة التنظيميَّة مسؤوليَّة استثماريَّة لا تتفق مع طبيعة دورها، لكنَّني أرى أنَّ من المناسب دراسة قيام هيئة السوق الماليَّة، أو جهة مهنيَّة أو رقابيَّة تابعة لها، أو تعمل تحت إشرافها، بمتابعة منهجيَّات تقييم الشركات قبل الطرح وبعده، والتحقُّق من معقوليَّة الافتراضات والأسس التي استند إليها المستشارُ الماليُّ، والشركة المالكة في الوصول إلى التقييم.
ولا يعني ذلك اعتماد الهيئة للسعر أو ضمانها لعدالته، وإنما إيجاد مستوى إضافي من الرقابة المهنية يعزز الثقة في السوق ويحمي المستثمرين من المبالغة غير المبررة في التقييم، ويمكن أن تتركز هذه المتابعة بصورة أكبر على الحالات التي يكون فيها سعر الطرح مرتفعاً بصورة لافتة مقارنة بالأرباح التاريخية، أو متوسط تقييمات القطاع والشركات النظيرة.
كما أقترحُ أنْ تتولَّى هيئة السوق الماليَّة، أو الجهة المتخصِّصة المقترحة، إجراء مراجعة تحليليَّة لاحقة للطُّروحات بعد عام أو عامين من الإدراج، لا بهدف محاسبة أيِّ طرف لمجرَّد انخفاض سعر السهم، وإنَّما لمقارنة الافتراضات التي بُني عليها التَّقييم بالنتائج الفعليَّة التي حققتها الشركة بعد الإدراج، فإذا ظهر بصورةٍ متكرِّرةٍ أنَّ بعض التقييمات قامت على افتراضات مفرطة في التفاؤل، أو بعيدة عن النتائج المحقَّقة، فإنَّ ذلك يستوجب مراجعة الممارسات المهنيَّة، ومعايير التقييم، وتعزيز الرقابة عليها.
فالمسؤوليَّة هنا مشتركة، وإنْ لم تكن متساوية: الشركةُ المصدِّرةُ، والمستشارُ الماليُّ يتحمَّلان المسؤوليَّة الأساسيَّة عن التَّقييم والافتراضات التي بُني عليها، وتسعير الطَّرح، والمستثمرُ المؤسسيُّ مسؤولٌ عن قراره وتحليله في بناء سجل الأوامر، بينما تقعُ على هيئة السوق الماليَّة مسؤوليَّة ضمان عدالة السوق، وكفاية الإفصاح، وسلامة الإجراءات، ومن المناسب تعزيز دورها الرقابيِّ في متابعة جودة التَّقييمات دون أنْ تتحوَّل إلى جهةٍ تحدِّد الأسعار.
السوق الماليَّة القويَّة ليست السوق التي ترتفع فيها جميع الأسهم بعد الاكتتاب؛ فهذا غير ممكن، ولا مطلوب، وإنَّما السوق القويَّة هي التي يكون فيها التسعير شفافًا، والتقييم مهنيًّا، والإفصاح كافيًا، والمستثمر قادرًا على اتخاذ قراره على أساس معلومات واضحة.
وإذا كان من حقِّ مالك الشركة أنْ يسعى للحصول على أفضل سعرٍ عند بيع جزءٍ منها، فمن حقِّ المستثمر -أيضًا- أنْ يعرف الأُسس التي بُني عليها ذلك السِّعر، وأنْ يطمئن إلى وجود منظومةٍ رقابيَّةٍ تتابع جودة تلك الأسس.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store