هنا تبدأ الغربة الجامعية، تلك التجربة التي لا تُقاس بعدد الكيلومترات فقط، بل بما تتركه المسافة من أثر في الطالب وأسرته، وبما تفرضه من تفاصيل جديدة تبدأ من السكن والمواصلات والمعيشة، ولا تنتهي عند القلق اليومي والحنين إلى البيت وانتظار مكالمة هاتفية تطمئن الأسرة على ابنها.
ومع اتساع رقعة التعليم الجامعي وتنوع التخصصات والكليات في مختلف مناطق المملكة، يجد بعض الطلاب أنفسهم أمام خيارات جغرافية شاسعة. طالب من المنطقة الشرقية قد يحمل حقيبته متجهاً إلى جازان، وآخر من جازان قد يجد مستقبله الدراسي في إحدى جامعات الشمال، وطالب من محافظة الخرمة قد ينتقل إلى منطقة بعيدة بحثاً عن تخصص لا يتوافر بالقرب من مقر أسرته. وبين نقطة الانطلاق ووجهة الدراسة مسافات طويلة، تختصرها الخريطة في خطوط وأرقام، بينما يعيشها الطالب وأسرته واقعاً يومياً بكل تفاصيله.
فكم هي المسافة الحقيقية بين طالب جامعي ومقر أسرته؟ قد تكون المسافة مئات الكيلومترات، لكنها بالنسبة للأب والأم ليست رقماً؛ إنها طريق طويل من القلق، واتصال يومي للاطمئنان، وانتظار للإجازة، وحساب للأيام حتى يعود الابن إلى المنزل. أما الطالب فقد يجد نفسه للمرة الأولى مسؤولاً عن تفاصيل كانت أسرته تتولاها عنه، من إعداد الطعام وتدبير المصروف إلى اختيار السكن والتنقل والتعامل مع مجتمع ومدينة وبيئة جديدة.
ولا تقف الحكاية عند الطالب وحده، فبعض الأسر لا تجد نفسها قادرة على ترك ابنها يعيش بعيداً عنها، خصوصاً في سنواته الجامعية الأولى، فتتخذ قراراً بالغ الصعوبة بالانتقال معه إلى مقر دراسته. وهنا لا ينتقل طالب واحد فقط، بل قد تنتقل أسرة كاملة، تتغير معها تفاصيل الحياة والعمل والسكن والعلاقات الاجتماعية، وتبدأ رحلة جديدة في مدينة لم تكن ضمن حساباتها، وكل ذلك لأن مقعداً جامعياً وضع أحد أبنائها على مسافة بعيدة من منزله.
وفي المقابل، هناك أسر تتحمل مشقة البعد وتبقى في مدينتها، فيما يبدأ الطالب رحلة الاعتماد على النفس. بعض الطلاب ينجحون في تحويل الغربة إلى مدرسة حقيقية للحياة، فيتعلمون الانضباط وإدارة الوقت والمال وتحمل المسؤولية وبناء العلاقات، ويخرجون من التجربة أكثر نضجاً وثقة وقدرة على مواجهة المستقبل.
لكن التجربة ليست واحدة لدى الجميع، فهناك طالب يتكيف سريعاً، وآخر يحتاج إلى وقت طويل حتى يعتاد المكان، وثالث يعيش سنواته الجامعية في صراع مستمر بين طموح الحصول على الشهادة ورغبة العودة إلى أهله. وقد تصل المعاناة لدى البعض إلى التفكير جدياً في الانتقال إلى جامعة أقرب أو تغيير التخصص أو العودة إلى مدينته، ليس لضعف الطموح، وإنما لأن الغربة كانت أثقل من أن تُحتمل.
وتزداد التحديات عندما تكون المدينة الجامعية بعيدة جداً عن مقر الأسرة، بحيث تصبح الزيارة مرتبطة بالإجازات والمناسبات، وتتحول العودة إلى المنزل إلى رحلة تحتاج إلى تخطيط ووقت وتكلفة، خصوصاً عندما تكون المسافات بين المناطق شاسعة.
ومن هنا يبرز سؤال أكبر من مجرد تجربة طالب أو معاناة أسرة: فهل آن الأوان أن نعيد النظر في منظومة القبول الجامعي بما يحقق قدراً أكبر من الاستفادة من المقاعد الجامعية داخل المناطق، ويمنح أبناء كل منطقة أولوية أوسع في الالتحاق بالجامعات والكليات القريبة منهم، متى ما توافرت لديهم الشروط الأكاديمية المطلوبة؟ وهل يمكن أن نصل إلى نموذج يخفف من الهجرة التعليمية الداخلية، ويمنح الطالب فرصة أن يتعلم وينجح ويبني مستقبله دون أن يكون الثمن مغادرة أسرته ومدينته؟
إن منح أبناء المنطقة فرصة أكبر للدراسة بالقرب من أسرهم لا يعني إغلاق أبواب التنوع أو الحد من خيارات الطلاب، وإنما قد يكون أحد المسارات التي تستحق الدراسة لتحقيق التوازن بين احتياجات الجامعات وحق الطالب في اختيار تخصصه وبين الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية التي تفرضها المسافات الطويلة.
فحين يضطر الطالب إلى الانتقال مئات الكيلومترات، تبدأ معه سلسلة من الالتزامات؛ سكن ومواصلات ومعيشة وسفر، وتتحمل الأسرة أعباء إضافية قد لا تكون في متناول الجميع. وفي المقابل، قد تمتلك المنطقة نفسها جامعة أو كلية قادرة على استيعاب أعداد أكبر أو تقديم تخصصات متنوعة، الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول مدى إمكانية تطوير الطاقة الاستيعابية والتخصصات في الجامعات المحلية بدلاً من دفع أبنائها إلى مدن بعيدة.
ولا يمكن النظر إلى القضية من زاوية الطالب وحده، فبقاء الطالب قريباً من أسرته قد يخفف تكاليف المعيشة والسكن، ويمنح الأسرة قدرة أكبر على المتابعة، ويعزز الاستقرار الاجتماعي، وفي الوقت ذاته يسهم في تعزيز ارتباط الكفاءات الشابة بمناطقها، بحيث يعود الخريج إلى سوق العمل المحلي وهو أكثر ارتباطاً ببيئته ومجتمعه.
ويبقى السؤال الذي يتكرر مع كل موسم قبول جامعي أكثر إلحاحاً: هل أعدنا النظر بما يكفي في آليات القبول والتوزيع الجغرافي للمقاعد؟ وهل منحنا أبناء المناطق فرصة حقيقية للاستفادة من المقاعد الجامعية القريبة منهم؟ أم أن مشهد الطالب الذي يحمل حقيبته ويغادر مدينته، وتبقى أسرته خلفه تترقب عودته، سيظل حكاية تتكرر كل عام؟
قد يكون من الصعب إلغاء الغربة الجامعية تماماً، وقد يكون الانتقال إلى مدينة أخرى جزءاً طبيعياً من تجربة التعليم لدى بعض الطلاب، لكن تقليلها قدر الإمكان، وتوسيع الخيارات أمام أبناء المناطق، وزيادة الطاقة الاستيعابية والتخصصات في الجامعات المحلية، كلها ملفات تستحق أن تكون محل نقاش ودراسة جادة.
فخلف كل مقعد جامعي بعيد قصة طالب، وخلف كل طالب أسرة، وخلف كل رحلة طويلة أعباء وتكاليف ومخاوف وآمال. وربما آن الأوان لأن لا يكون الطريق إلى الشهادة دائماً طريقاً بعيداً عن البيت.
فكم من طالب كان حلمه أن يدرس ويتخرج ويعود لخدمة منطقته، وكم من أسرة تتمنى أن ترى أبناءها يحققون طموحاتهم دون أن تضطر إلى وداعهم عند أبواب المدن البعيدة؟
إنها حكاية تتكرر كل عام، والسؤال الأهم ليس متى يبدأ القبول الجامعي، وإنما متى تنتهي حكاية الغربة التي تبدأ معه؟


