تدخل العلاقات السعودية الفرنسية مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم التعاون التقليدي بين دولتين تربطهما مصالح سياسية واقتصادية وأمنية، إلى شراكة استراتيجية أكثر شمولًا ومؤسسية. وهذا، في تقديري، هو أهم ما يميز زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، ولقاءه الرئيس إيمانويل ماكرون.
فالزيارات واللقاءات بين القيادتين ليست جديدة، والعلاقات بين الرياض وباريس ممتدة ومتعددة المجالات، لكن الجديد هذه المرة هو الانتقال بها إلى مستوى مؤسسي من خلال انعقاد الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي الفرنسي، بما يوفر آلية دائمة لمتابعة ما تتفق عليه القيادتان، وتحويل التفاهمات السياسية إلى برامج ومشروعات واستثمارات قابلة للتنفيذ والقياس.
ويكتسب توقيت الزيارة أهمية خاصة في ظل ما يشهده العالم والمنطقة من تحولات متسارعة. فالشرق الأوسط يواجه تحديات أمنية وسياسية متعددة، من التوتر مع إيران إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مرورًا بالقضية الفلسطينية وتطورات سوريا ولبنان واليمن. وفي المقابل، تواجه أوروبا تحدياتها الأمنية والاقتصادية، وتسعى فرنسا إلى توسيع شبكة شراكاتها الدولية مع القوى المؤثرة.
وفي هذا المشهد، تبرز السعودية بوصفها قوة سياسية واقتصادية مستقلة، تبني علاقاتها الدولية على تنويع الشراكات وتحقيق المصالح المشتركة. فهي تحتفظ بشراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتطور علاقاتها مع الصين والقوى الآسيوية، وفي الوقت نفسه تعزز شراكاتها الأوروبية، وفي مقدمتها العلاقة مع فرنسا.
ومن هنا يمكن فهم تأكيد الرئيس ماكرون أن الشراكة مع السعودية قادرة على الذهاب أبعد. فالمجال مفتوح أمام تطوير التعاون في الدفاع والأمن والطاقة والاستثمار والصناعات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، فضلًا عن التنسيق السياسي في القضايا الإقليمية والدولية.
وفي المجال الدفاعي تحديدًا، تمتلك فرنسا صناعة عسكرية وتقنية متقدمة، وهي قوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن. ولذلك فإن المرحلة الأكثر أهمية في التعاون مع السعودية ليست مجرد شراء المعدات العسكرية، وإنما الانتقال إلى التصنيع المشترك ونقل التقنية وتوطين سلاسل الإمداد والصيانة والتدريب، بما يتوافق مع مستهدفات المملكة في توطين نسبة متزايدة من إنفاقها العسكري.
أما اقتصاديًا، فالمؤشرات تدل على تحول مهم في طبيعة العلاقة. فالنموذج القديم الذي يقوم على أن تبيع الشركات الفرنسية منتجاتها وخدماتها إلى السوق السعودية يتراجع لمصلحة نموذج أكثر تقدمًا يقوم على الاستثمار المتبادل والمشروعات المشتركة ونقل المعرفة والتقنية وتوطين الصناعات.
وقد شهدت الزيارة الإعلان عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم في قطاعات متعددة، إلى جانب استثمارات سعودية كبيرة في فرنسا. وهذه نقطة تستحق التوقف؛ لأنها تؤكد أن العلاقة الاقتصادية لم تعد في اتجاه واحد، وإنما أصبحت علاقة بين اقتصادين يستثمر كل منهما في الآخر، ويبحثان عن فرص مشتركة في أسواقهما وفي الأسواق العالمية.
وهنا تلتقي الشراكة الفرنسية بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. فالمملكة لا تبحث فقط عن زيادة حجم تجارتها الخارجية، وإنما عن شركاء يسهمون في تنويع الاقتصاد، وتوطين الصناعة والتقنية، ورفع المحتوى المحلي، وتطوير الكفاءات البشرية، وخلق وظائف نوعية، وبناء قطاعات اقتصادية جديدة قادرة على المنافسة والتصدير.
وفي المقابل، تمثل خطة فرنسا 2030 إطارًا وطنيًا طموحًا لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الفرنسي، وتسريع التحول الصناعي والرقمي والبيئي، ودعم الابتكار والبحث العلمي، وتطوير قطاعات استراتيجية مثل الطاقة النظيفة، والصحة، والزراعة المستدامة، والصناعات المستقبلية، والذكاء الاصطناعي. ومن ثم، فإن التقاطع بين خطة فرنسا 2030 ورؤية السعودية 2030 يفتح مجالًا واسعًا لشراكة تتجاوز التبادل التجاري إلى بناء منظومات إنتاج ومعرفة وابتكار مشتركة.
فكلتا الرؤيتين تسعيان إلى تقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية، وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة والتقنية، وتطوير رأس المال البشري، ودعم الشركات الناشئة، وتحفيز الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة. كما تلتقيان في أهمية التحول إلى اقتصاد أكثر استدامة، وتوسيع استخدام الطاقة النظيفة، وتطوير حلول عملية لمواجهة التغير المناخي، مع الحفاظ على النمو والقدرة التنافسية.
ويمكن ترجمة هذا التقاطع إلى مشروعات مشتركة في الهيدروجين والطاقة المتجددة، والنقل الذكي، والمدن المستدامة، والصناعات الدفاعية والفضائية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتقنيات الطبية، والسياحة والثقافة. كما يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث والشركات في البلدين أن تؤدي دورًا أكبر في نقل المعرفة وتطوير المنتجات والخدمات القابلة للتصدير إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وتملك فرنسا الكثير مما تحتاج إليه هذه المرحلة من خبرات في الطاقة والصناعات الدفاعية والطيران والنقل والتقنيات المتقدمة والسياحة والثقافة، بينما تملك السعودية سوقًا كبيرة، وقدرات استثمارية ضخمة، ومشروعات تنموية غير مسبوقة، وموقعًا استراتيجيًا يصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وبذلك، لا تقتصر العلاقة على استفادة طرف من خبرات الطرف الآخر، بل يمكن أن تتحول إلى منصة مشتركة للتوسع في أسواق جديدة.
لهذا، فإن المعيار الحقيقي لنجاح المرحلة الجديدة لن يكون فقط ارتفاع أرقام التبادل التجاري أو عدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما ما يتحول منها إلى مصانع ومشروعات وتقنيات مستوطنة ووظائف واستثمارات مشتركة، وما ينتج عنها من قيمة مضافة مستدامة في البلدين.
بهذا المعنى، نحن أمام انتقال في العلاقة السعودية الفرنسية من التجارة إلى الاستثمار، ومن الصفقات إلى الشراكة، ومن التعاون الظرفي إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى. كما أن التوافق بين رؤية السعودية 2030 وخطة فرنسا 2030 يمنح هذه الشراكة أساسًا عمليًا واضحًا، ويجعلها قادرة على إنتاج مشروعات نوعية في الاقتصاد والتقنية والطاقة والدفاع والثقافة.
وهذه هي اللغة التي تتحدث بها السعودية الجديدة في علاقاتها الدولية: شراكات متعددة، ومصالح متبادلة، واقتصاد أكثر تنوعًا واستقلالًا وقدرة على المنافسة.


