ما أكثر الوجوه التي تعبر حياتنا، وما أقل القلوب التي تستقر فيها. فالإنسانُ لا يُعرف عند أول لقاء، وإنَّما تكشفه الأيام، وتمتحنه المواقف، وتُظهره الشدائد. وقد أشار القرآنُ الكريمُ إلى تفاوت الناس واختلاف طبائعهم، فقال تعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ «الحجرات 13». فميزانُ الكرامة ليس المظهر، بل الجوهر، وليس القول، بل العمل.
البشر كالبحار، لا يستوون؛ فهذا عذبٌ فراتٌ، وذاك ملحٌ أُجاجٌ، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ.. وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ «فاطر 12»، وكذلك الناس؛ منهم من يروي الأرواح بأخلاقه، ومنهم من يورثها العناء.
وليس كلُّ جميلِ المعشر، جميلَ المعاشرة، وليس كلُّ جميلِ الكلام جميلَ الأفعال، وليس كلُّ جميلِ البدايات جميلَ النهايات، وليس كلُّ جميلٍ في حضورك جميلًا في غيابك. لذلك، لا تُسلِّم قلبك لكل عابر، ولا تمنح ثقتك إلَّا لمن أثبتتها المواقف، فالكلمات قد تُزيَّن، أمَّا الأفعال فلا تعرف التجميل.
وصدق الشاعر حين قال:
أدركتُ أنَّ النَّاسَ شبهُ معادنٍ
منهَا الرَّخيصُ وكذَا الثَّمينُ الغَالِي
وقال الإمامُ علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: (تكلَّمُوا تُعرَفُوا، فإنَّ المرءَ مخبوءٌ تحتَ لسانِهِ)، غير أنَّ التجارب تضيف: بل إنَّ الإنسان يُعرَف أكثر بثبات مواقفه وصدق أفعاله.
قلوبنا نوافذ، وخلف كلِّ نافذة قصَّة، وخلف كلِّ قصَّة قلبٌ يحملُ حكاية، أو ذكرى تنبض بالحب، أو الحنين، أو الألم، أو الفقد. وهناك حكايات اختارت الصمت؛ لأنَّها كُتبت بدموع لا تُرى، ووجع لا يسمعه إلَّا صاحبه. ولذلك قال الحكماء: (لَا تحكمْ علَى أحدٍ حتَّى تمشِي في طريقهِ، وتعرفَ شيئًا مِن أقدارِهِ).
ولعل أعظم ما يتعلمه الإنسان من رحلته مع النَّاس، أنْ يكون رحيمًا قبل أنْ يكون ناقدًا، ومتأنِّيًا قبل أنْ يكون حاكمًا. فكم من مبتسم يخفي وجعًا، وكم من صامتٍ يحمل في صدره ضجيجًا لا ينتهي. قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ «البقرة 83»، وقال النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: «خَيرُ النَّاسِ أنفعُهُم لِلنَّاسِ».
فلنجعل حضورنا رحمة، وكلماتنا جبرًا، وغيابنا ذكرًا طيبًا. فالجمال الحقيقي ليس في الملامح، ولا في براعة الحديث، وإنَّما في قلبٍ إذا حضر أراح، وإذا غاب ترك أثرًا لا يُنسى، وتلك هي الثروة التي لا تنقصها الأيام، ولا يطويها الزَّمن.


