في طفولتي المبكِّرة، كانت تراودني أفكارٌ وخواطرُ كثيرةٌ، غريبةٌ وعجيبةٌ، بل موغلةٌ في الغرابة والعجب، إلى حدٍّ يصعب وصفها، كانت أفكارًا لا تلامس الواقع، ولا تمتُّ إلى الحقيقة بِصِلَةٍ، شأنها في ذلك شأن كثيرٍ من أحلام الأطفال، وتصوُّراتهم المستقبليَّة، مع ذلك لم أستطعْ يومًا أنْ أتجاهلها، أو أنْ أعدَّها مجرَّد أوهامٍ عابرةٍ؛ لأنَّها ببساطةٍ كانت جزءًا من عالمي الخاص، بل ربما كانت جزءًا من تكويني النفسيِّ الذي أسهم -بطريقةٍ أو بأخرى- في تشكيل جانبٍ من شخصيتي التي أنا عليها اليوم.
في تلك المرحلة، لم أكنْ أملك تفسيرًا واضحًا لتلك الخواطر، ولم أكنء أبحث لها عن معنى أو مغزى، كنتُ أتركها تمرُّ في ذهني كما تمرُّ الغيوم في السماء، تظهر فجأةً ثمَّ تتوارى، فلم تكن من أحاديث النَّفس العابرة التي تتبدَّد مع مرور الأيام، بل كانت أشبه برفيقٍ خفيٍّ يلازمني، ويعود إليَّ بين الحين والآخر في صور مختلفة استمتعُ بها.
ولسنواتٍ طويلةٍ كنتُ أظنُّ أنَّ هذه الخواطر ليست سوى سمة من سمات الطفولة، وأنَّها ستنقطع تلقائيًّا مع التقدُّم في العمر، ومع ازدياد النُّضج الفكريِّ والجسديِّ، كما تنقطع كثيرٌ من العادات والتصوُّرات التي ترافق الإنسان في بدايات حياته، غير أنَّ الحقيقة التي اكتشفتُها لاحقًا كانت مختلفةً تمامًا، إذ تبيَّن لي أنَّ بعض تلك الأحلام والتوقُّعات لا تغادر الإنسان بسهولةٍ، بل قد تستمر معه إلى مراحلَ متقدِّمةٍ من عمره، ولكن بصورٍ مختلفةٍ، وبوتيرة أقل حدَّة.
ومن أكثر تلك التصوُّرات والخواطر شيوعًا وحضورًا في رأسي، أنْ تهبط عليَّ ثروةٌ كبيرةٌ بطريقةٍ غير متوقعةٍ، وقد تتَّخذ هذه الفكرة صورًا متعدِّدة، كأنْ أساعد شخصًا على قارعة الطَّريق في لحظة كان فيها بأمسِّ الحاجة إلى العون، ثمَّ أكتشفُ لاحقًا أنَّه رجلٌ ثريٌّ فيكافئنِي على صنيعِي بمكافأةٍ تفوقُ كلَّ توقُّعاتِي، أو أنْ أتسبَّب في إنقاذ إنسان من خطرٍ محققٍ، فيرد إليَّ الجميل بصورةٍ تغيِّر مجرى حياتي كلها.
ولطالما ظننتُ أنَّني أعيشُ هذه الحالة وحدي، وأنَّ هذه التخيُّلات وأحلام اليقظة ليست سوى خصوصيَّة شخصيَّة لا يشاركني فيها أحدٌ، لكنَّني اكتشفتُ مؤخَّرًا أنَّ كثيرًا من النَّاس يحملُون داخلهم أحلامًا مشابهةً، وإنْ اختلفت صورها وتجلِّياتها، فلكلِّ إنسان عالمه الخفي الذي ينسج فيه احتمالات جميلة، ويمنح نفسه من خلالها جرعةً من الأمل، تساعده على مواجهة رتابة الواقع، ومفاجآت الحياة.
وحتى هذه اللحظة، وقد تجاوزت العقد الخامس من عمري، فما زالت تلك الخواطر تزورنِي وتراودنِي بين الحين والآخر، وربَّما ازدادت حضورًا في بعض الفترات بصورةٍ لافتةٍ، نعم ما زلتُ أجدُ نفسي طفلًا فيها، وأنا أتوقَّع حدوث أمرٍ جميلٍ، أو تحوُّل استثنائيٍّ يبدِّل مجرى حياتي إلى الأفضل، وكأنَّ هناك هديةً عظيمةً تنتظرني في مكان ما، أو مفاجأةً لم يحن موعدها بعد، وربما ساقها المولى إليَّ دون أنْ أشعرَ بها، فنعمُ الله وعطاياهُ لي كثيرةٌ.
هذه الأحلام قد لا تكون سوى محاولة بريئة مني للاحتفاظ بشيء من مرحلة الطفولة تلك، أو ربَّما تكون عبارة عن نافذةٍ صغيرةٍ أطلُّ منها على مستقبل أتمنَّى أنْ يكون هذا المستقبل أجملَ ممَّا هو عليه الآن، فلنحلم إذًا ولنستمتع بأحلامنا في المنام، وأحلامنا في اليقظة، فربما غدت تلك الأحلام والخواطر طموحًا يتحقَّق يومًا ما.


