Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

جرس المدرسة لا ينهي الحكاية

A A
لا يحتاجُ العامُ الدراسيُّ في بدايته إلى كثيرٍ من الكلام، فالاستعداداتُ معروفةٌ، والجهودُ التي تبذلُها وزارةُ التَّعليم والجهاتُ المساندة ظاهرةً، وحجمُ المنظومة وحده يكفي لمعرفة مقدار العمل الذي يسبقُ دخول ملايين الطُّلاب والطَّالبات إلى مدارسهم، لكنَّني أتوقَّف عند أشياء أُخْرى، قد تبدُو صغيرةً إذا قِيست بحجم التَّعليم، لكنَّها ليست صغيرةً عند مَن يواجهها في يومه.
طالبةٌ تدخل مدرستها صباحًا وهي بخيرٍ، وبعد ساعاتٍ تشعر بالتَّعب، تتَّصلُ المدرِّسة بوليِّ أمرها؛ ليحضر، وهنا تبدأ التَّفاصيل من الطبيعيِّ أنْ تكون هناك ضوابطُ لخروج الطَّالبات، ومن الطبيعيَّ -أيضًا- أنْ تتشدَّد المدرسةُ في التحقُّق ممَّن يتسلَّم الطَّالبة، هذه مسؤوليَّة لا تحتملُ الاجتهاد، لكنَّ الحالة الصحيَّة التي طرأت داخل المدرسة لم تكنْ موجودةً عند دخولها، وقد يصعبُ معها استكمال إجراء وضع أساسٍ للحالات المعتادة.. فما العمل؟
السُّؤال لا يطلبُ إلغاء إجراءٍ، ولا تخفيفَ الحماية، كلّ ما يطلبُه أنْ تكون للحالة الطارئة طريقتها الواضحة -أيضًا- فالطالبةُ المريضةُ لا ينبغي أنْ تصبح معلَّقةً ما بين ضرورةِ خروجها، وضرورةِ استكمال الإجراء.
وهذه واحدةٌ، أمَّا الثَّانيةُ فتبدأ -غالبًا- مع جرس الانصراف، مدرسة يخرج منها مئاتُ الطُّلاب في وقتٍ متقاربٍ، ومئاتُ المركبات تتحرَّك نحو شارع واحدٍ، بعض السيَّارات تقفُ في صفٍّ ثانٍ، وأُخْرى تنتظرُ، وثالثة تحاولُ الخروج، وخلال دقائقَ يصبحُ الشَّارعُ الذي كان هادئًا قبل قليلٍ مزدحمًا إلى درجة يصعبُ معها المرورُ.
وليس كلَّ مَن في الشَّارع وليّ أمرٍ جاء لأخذ ابنه، أو ابنته، قد يكون من سكَّان الحيِّ، أو شخصًا لديه موعد، أو موظَّفًا في طريقه، أو كبيرَ سنٍّ يريد الوصول إلى منزله. ومع ذلك يدفعُ الجميع ثمن ساعة الانصراف.
جهودُ المرور في المحاور والطُّرق الرئيسة معروفةٌ ومقدَّرةٌ، لكنَّ الازدحام المدرسي له طبيعة مختلفة، المشكلة تبدأ في أمتار قليلة أمام المدرسة، ثمَّ تكبر. وربَّما كانت هذه الأمتار أَوْلَى بالتَّنظيم.
لا تحتاج كلُّ مدرسةٍ إلى رجل مرور، ولا تتشابهُ المدارسُ في مواقعها وكثافتها، لكنَّ المدارس التي يعرف عنها تكرار الاختناق المروريِّ يمكن تحديدها، ودراسة الحركة حولَها، ووضع التَّنظيم المُناسب لها في وقت الدخول والانصراف، المشكلةُ واضحةٌ، وموعدُها معروفٌ، ومكانُها محدَّدٌ، وهذه ميزةٌ لا تتوافر لكثير من المشكلات المروريَّة.
وتبقى مسألة ثالثة ما زالت طريقة استدعاء الطَّالب، أو الطَّالبة عند حضور وليِّ الأمر تختلفُ من مدرسة إلى أُخْرى، في مدرسة تسمع النِّداء بالطَّريقة القديمة، وفي أُخْرى تجدُ تنظيمًا أسرع، باستخدام وسيلة إلكترونيَّة، أو إجراء ابتكره فريق المدرسة، واكتشف أنَّه يوفِّر الوقت، ويخفِّف التجمع عند البوابة. وهنا لا يهم اسم الوسيلة بقدر ما تهم الفكرة.
إذا نجحت مدرسة في حلِّ مشكلة يوميَّة، فلماذا تبدأ المدرسةُ المجاورة البحث عن الحلِّ من جديد؟
لدينا آلافُ المدارس، ومن المؤكَّد أنَّ داخلها تجارب صغيرة نجحت دون أنْ يسمع عنها أحدٌ خارج نطاق المدرسة.. مدير وجد طريقةً أفضل لتنظيم الانصراف، ومعلم ابتكر إجراء، ومدرسة استخدمت تقنية بسيطة، فاختصرت الانتظار، هذه التجارب تستحق أنْ تجمع، ليس في ملفٍّ للحفظ، وإنَّما لمعرفة ما الذي نجح فعلًا، وأين يمكن تطبيقه مرَّة أُخْرى؟
فالمدرسةُ ليست فصولًا ومناهجَ فقط، إنَّها -أيضًا- دخولٌ وخروجٌ، وطالبٌ يمرضُ، ووليُّ أمرٍ ينتظرُ، وشارعٌ يزدحمُ، وإجراءٌ قد ينجح في مدرسةٍ، ويحتاجه ألف غيرها.
وزارةُ التَّعليم تنظر، بحكم مسؤوليَّتها، إلى صورة واسعةٍ جدًّا: أعدادٌ كبيرةٌ من الطُّلاب، والمعلِّمِين، والمدارس، والمناهج، والمباني، والمنصَّات، وهذه الصُّورة لا يمكن إدارتها إلَّا بالخُطط والمُؤشرات والقرارات الكُبْرَى، لكنَّ الصُّورة الواسعة تتكوَّن في النهاية من تفاصيل كهذه.
ولعل بعض ما يحتاجه العام الدراسي، لا يحتاجُ قرارًا كبيرًا بقدر حاجته إلى أنْ يلتفت أحد إلى ما يحدث كل يوم، في الوقت نفسه، والمكان نفسه.
* نقطة تحت السطر:
قد نعرفُ الكثيرَ عن المدرسةِ من أرقامِهَا وتقاريرِهَا لكنَّ بعضَ أهمِّ مَا فيهَا لا يظهرُ إلَّا بعدَ أنْ يُدقَّ الجرسُ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store