نقضي جزءًا كبيرًا من أعمارنا في العمل، ومع ذلك نادرًا ما نتوقَّف لنسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا: هل نحنُ نحبُّ ما نفعلُه فعلًا، أم أنَّنا فقطْ اعتدَنا عليه؟
أعتقدُ أنَّ الفرقَ بين الاثنين يظهرُ مع مرور السَّنوات. هناك مَن يدخل مكتبه كلَّ صباح، وكأنَّه يؤدِّي واجبًا لا علاقة له به، وهناك مَن قد لا تكون وظيفته حلمه الأوَّل، لكنَّه يتعامل معها باعتبارها مساحةً يستطيعُ أنْ يثبت فيها نفسه، ويتعلَّم منها، ويفتح من خلالها طريقًا جديدًا.
بالنسبة لي، أحبُّ مَن يأخذ عمله بجديَّة، ليس لأنَّه يريد أنْ يثبت أنَّه الأفضل أمام الآخرِين، وإنَّما لأنَّه يحترمُ ما يفعله. التَّفاصيل الصَّغيرة في العمل تكشف الكثير عن علاقتنا بمهننا:
هل تنجزُ مهمَّتك بإتقانٍ؟
هل تبحثُ عن حلولٍ عندما تظهر مشكلة؟
هل تتعلَّم من أخطائك؟
هل لديك رغبةٌ حقيقيَّةٌ في أنْ تتطوَّر، أم أنَّك تنتظر نهاية ساعات الدَّوام فقطْ؟!
لكنَّ الحديث عن حبِّ العمل لا يعني أنْ نقبلَ بأيِّ بيئة، أو بأيِّ راتبٍ، أو أنْ نعتبر الاستغلال جزءًا من الالتزام المهنيِّ. هناك فرقٌ بين أنْ تحبَّ مهنتك، وأنْ تسمحَ لها بأنْ تستهلككَ. ومن حقِّك أنْ تبحثَ عن التَّقدير الماديِّ والمهنيِّ الذي يتناسب مع خبرتك ومسؤوليَّاتك.
وأرى أنَّ حبَّ العمل يصبحُ أكثر أهميَّة في زمن تتغيَّر فيه المهنُ بسرعة. ما كان كافيًا قبل سنواتٍ، قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك، إذا أردتَ الاستمرارَ والتقدُّم، فعليك أنْ تضيفَ إلى نفسك باستمرار، سواء من خلال دورةٍ، أو مهارةٍ جديدةٍ، أو تجربةٍ مختلفةٍ، أو حتَّى مشروع صغير تمارسهُ خارج ساعات العمل.
كما أنَّني لا أعتقدُ أنَّ عليك انتظار الوظيفة المثاليَّة حتى تشعر بالإنجاز. ربَّما تكون البدايةُ متواضعةً، لكنَّ طريقة تعاملك معها هي التي تحدِّد ما إذا كانت ستبقى مجرَّد وظيفة، أو تتحوَّل إلى محطَّة مهنيَّة مهمَّة.
في النهاية، العملُ الذي نحبُّه ليس بالضَّرورة العمل الذي نحلمُ به منذ الطفولة. أحيانًا نتعلَّم حبَّه بعد أنْ نكتشفَ ما نستطيع أنْ نصنعه داخله. وأحيانًا نكتشفُ العكس تمامًا، فنغادرُه ونبحثُ عن مكان يشبهنا أكثر.
المهمُّ ألَّا تعيشَ سنواتِك المهنيَّة على وضعِ الطيَّار الآليِّ. فالوقتُ الذي تمنحه للعمل جزءٌ من عمرِك، ومن حقِّك أنْ تسأل:
ماذا أعطانِي هذا العملُ؟
وماذا أضاف إليَّ؟
وماذا أضفتُ أنا إليه؟
* من النافذة:
لا تبحثْ فقطْ عن عملٍ تعيشُ منهُ، ابحثْ عن عملٍ يضيفُ إلى قصَّتِكَ شيئًا يستحقُّ أنْ تتذكَّرَهُ.


