عندما تُضخَّم المسمَّيات في الوظائف، بحيث تطغى على المحتوى تتمثَّل فيها العديدُ من السلبيَّات، تمامًا كالشَّخص الذي ينسلخُ من الإنسانيَّات والصِّفات الإنسانيَّة، يفقد معناه الحقيقي كإنسانٍ، فيصبح عبارة عن محتوى لا إنسانيٍّ، لا يربطه بالآدميَّة شيءٌ غير المُسمَّى
في التَّعريفات الإداريَّة الحديثة، مسمَّيات لمناصب «مفخَّمة» نسبيًّا، تنتشرُ كثيرًا في القطاع الخاصِّ، ثمَّ انتقلت عدوَاها إلى القطاع الحكوميِّ، من ذلك مثلًا منصب الرَّئيس التَّنفيذي (CEO)، ففي دوائر إداريَّة صغيرة، هناك مَن يقوم بالتَّعريف بنفسه بعبارة الرَّئيس التَّنفيذي، ويصحبُ ذلك التَّعريف شيءٌ مِن التَّعالي وكأنَّه يقولُ لمَن حوله: أنَا رئيسٌ تنفيذيٌّ لَا أحدَ يُكلِّمُنِي، هذا المصطلح وإخوانه من المصطلحات الأُخْرى (COO ،CFO ،CTO ،CMO) بغضِّ النَّظر عن الرَّاتب الذي يتقاضاه هؤلاء -الذي هو محلُّ تساؤل، كونه راتبًا عاليًا- تظلُّ الإشكاليَّة في النَّظرة الفوقيَّة التي تتلبَّسهم، ومن خلالها يتعامل مع زملائه الإداريِّين، وأحيانًا مع مَن يخدمهم من المراجعِينَ.
لا شكَّ أنَّ الإدارة مضمونٌ بغضِّ النَّظر عَن المُسمَّى رئيس تنفيذي، أو مدير إدارة: مضمون لحاجتَين أساستين، أُولاهُما: البراعة التخصصيَّة في العمل أيًّا كان ذلك العمل، وثانيتهُما سلوكيَّات وأخلاقيَّات التعامل، سواء مع مَن هم في الإدارة (شركاء أداء العمل)، أو مع مَن تقدَّم لهم الخدمة أو ما يعرفُون بالزَّبائن، عادة ما يكون الرئيس التنفيذي (مدير الإدارة سابقًا) متخصصًا في نفس المجال، أو على الأقل يحملُ شهادة وخبرة ومهارة إداريَّة فِي نفس المجال، وهناك من تخصصه في جهةٍ وعملُه في جهةٍ أُخْرى، وهذا النَّوع قد يكون صاحبَ إبداعاتٍ، أو صاحبَ إخفاقاتٍ، أمَّا أخلاقيَّات وسلوكيَّات التَّعامل فتتباين من شخصٍ الى آخرَ، وبعضهم تظهر عليه متلازمات الرَّئيس التنفيذي «النَّفخة»، و»المركزيَّة»، و»الاعتماد على الآخرِينَ»، ويُرجِع بعضُهم أسباب ذلك إلى المُسمَّى نفسه؛ لأنَّ البعضَ مجرَّد يرتبط بهذا اللَّقب، يتبختر به «رئيس تنفيذي لَا تكلِّمُنِي»، أو لا يهتم بتقييم شركاء العمل؛ لأنَّه مركزيٌّ، صحيح هناك وثيقة للأداء الوظيفي، تشمل -فيما تشمل- أدبيات العمل واخلاقياته، وهناك تقييم للأداء، وفيها نظام العلاقة بين الموظف ورئيسه، لكن يظل التفخيم بكلمة رئيس تنفيذي خاصة بعبارة ceo تمنح تباعدًا بين الرئيس وموظَّفيه، ومراجعيه، تظل هناك فئة منهم غير ذلك تمامًا، أي متميِّز بجودة العمل، وأداء الوظيفة -مضمونًا وأخلاقًا- وهؤلاء أصدقائي الذين أعتزُّ بهم، وإن كنتُ لا أعرفهُم.


