في محكم تنزيله، يلفتُ القرآنُ الكريمُ نظرَ الإنسان إلى البحر، والأرض، وما سخَّر اللهُ فيهما من آياتٍ ومنافعَ، فالقرآنُ لا يقدِّم البحر باعتباره مجرَّد مساحة مائيَّة، بل يذكرُه في سياقات متعدِّدة ترتبطُ بالرِّزق والملاحة والتجارة والاكتشاف والتأمُّل في خلقِ الله، ذكر في القرآن الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وتبرز الآية بصورة لافتة مفهوم الانتفاع بالبحر: الغذاء، والموارد، والملاحة، وابتغاء فضل الله؛ وهي معانٍ يمكن أنْ نربطها اليوم بما يُسمَّى الاقتصاد الأزرق.
لم تعد البحارُ والمحيطاتُ مجرَّد مساحاتٍ تفصل بين الدول، أو طرقًا تمرُّ عبرها السُّفن، بل أصبحت اليوم، أحد أهم المجالات التي يمكن أنْ تصنع جزءًا كبيرًا من اقتصاد المستقبل، ومن هنا ظهر مفهوم الاقتصاد الأزرق، الذي يقوم على الاستفادة من الموارد البحريَّة بطريقة تحقق التنمية الاقتصاديَّة مع المحافظة على البيئة واستدامة الثروات للأجيال القادمة.
يشمل الاقتصاد الأزرق مجالات واسعة، تبدأ من الصيد، والاستزراع السمكيِّ، والسياحة البحريَّة، وتمتد إلى النقل والموانئ والطاقة البحريَّة وتحلية المياه، والتقنيات الحيويَّة والكابلات البحريَّة، إضافةً إلى استكشاف أعماق البحار، والموارد الموجودة فيها.
وقد سبقت بعض الدول إلى بناء اقتصادات بحريَّة متقدِّمة، فالنرويج طوَّرت صناعات ضخمة مرتبطة بالبحر، من النقل البحري والطاقة إلى الاستزراع السمكيِّ، كما أصبحت سنغافورة مركزًا عالميًّا للموانئ والخدمات البحريّة، بينما طوَّرت هولندا خبرات كبيرة في إدارة المياه والهندسة البحرية وحماية السواحل.
أمَّا المستقبل فيحمل فرصًا أكبر مع تطور الطاقة من الأمواج والرياح البحرية والروبوتات والغواصات ذاتية القيادة، ويمكن للتكنولوجيا أن تجعل استكشاف البحر أقل تكلفة، وأكثر أمانًا، وأنْ تتيح مراقبة الثروة السمكيَّة والتلوث والتغيرات المناخيَّة بصورة مستمرة.
لكن الاقتصاد الأزرق لا يعني استغلال البحر بلا حدود، فالصيد الجائر، وتلوُّث المياه، وتدمير الشِّعاب المرجانيَّة، وتغيُّر المناخ يمكن أنْ تحوِّل الثروة البحريَّة إلى مشكلة بيئيّة واقتصاديّة. ولذلك فإنّ جوهر الاقتصاد الأزرق هو تحقيق التوازن بين الاستثمار والحماية.
وقد قال المصطفى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار»، وهُو مبدأ عظيم يمكن استحضارُه في التعامل مع البيئة والموارد الطبيعيَّة؛ فالتنمية لا ينبغي أنْ تكون على حساب الإنسان أو الطبيعة.
إنَّ البحار تمثِّل مستقبلًا اقتصاديًّا وعلميًّا واسعًا، وربما يكون السؤال في العقود المقبلة ليس: ماذا نملك على اليابسة؟ وإنَّما أيضًا: ماذا نستطيع أنْ نكتشف ونطوِّر ونحمي في البحر؟


