وهذه المعادلة تنطبق بصورة واضحة على محافظة الخرمة في شرق منطقة مكة المكرمة؛ المحافظة التي ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بقطاع التعدين، وأصبحت مواقع الذهب في نطاقها أحد أبرز عناصر قوتها الاقتصادية، لتفتح أمامها آفاقاً واسعة نحو مرحلة تنموية جديدة، وتطرح في الوقت ذاته سؤالاً مشروعاً: كيف يمكن تحويل هذه الثروة الطبيعية إلى تنمية شاملة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؟
منذ بدء أعمال الاستكشاف وما أظهرته النتائج من وجود خامات للذهب، اكتسبت الخرمة حضوراً متنامياً في المشهد التعديني، وأصبحت مواقع التعدين فيها جزءاً من النشاط الاقتصادي للمحافظة والمنطقة، حتى ارتبط اسمها بلقب «مدينة الذهب»، بعد أن أطلق أمير منطقة مكة المكرمة هذا الوصف خلال إحدى زياراته التفقدية لأحد مواقع التعدين.
واليوم، لم تعد تطلعات أهالي الخرمة تقف عند حدود المناجم وما تنتجه من ثروات، بل تتجاوزها إلى بناء منظومة تنموية متكاملة تواكب مكانة المحافظة وإمكاناتها، وتستثمر موقعها الاستراتيجي، وتمنح أبناءها نصيباً أكبر من الفرص الاقتصادية والتعليمية والوظيفية التي يمكن أن تصنعها هذه الثروة.
فالخرمة تمتلك مقومات متعددة؛ ثروة معدنية، وموقعاً جغرافياً مهماً، ونشاطاً اقتصادياً قابلاً للنمو، وامتداداً عمرانياً متزايداً، إلى جانب قربها من محافظات ومراكز يمكن أن تستفيد من المشروعات النوعية التي يمكن أن تقام فيها. وما تحتاجه هو تكامل هذه المقومات ضمن رؤية تنموية تنقل المحافظة من مرحلة الاستفادة من مواردها الطبيعية إلى مرحلة صناعة اقتصاد محلي أكثر تنوعاً واستدامة.
وفي مقدمة الاحتياجات التي يتطلع إليها الأهالي يأتي إنشاء مستشفى بسعة 200 سرير، بما يواكب النمو السكاني والعمراني، ويرفع مستوى الخدمات الصحية، ويوفر تخصصات طبية وعلاجية متقدمة، ويخفف حاجة المرضى إلى الانتقال خارج المحافظة للحصول على بعض الخدمات التخصصية.
فالمستشفى الحديث لا يمثل مجرد منشأة صحية، بل أحد المكونات الأساسية لأي مدينة تنمو اقتصادياً وسكانياً؛ إذ يعزز الجاهزية الطبية للتعامل مع الحالات الطارئة والحوادث، ويدعم جودة الحياة، ويرفع جاذبية المحافظة للسكان والاستثمار، ويواكب التوسع المتوقع في النشاط الاقتصادي والتعديني.
وفي الجانب اللوجستي، يبرز مطلب اعتماد مطار إقليمي في الخرمة، بالنظر إلى موقع المحافظة وإمكاناتها، وقدرتها على خدمة نطاق جغرافي يضم الخرمة وتربة والمويه ورنية، إلى جانب المراكز والقرى الواقعة ضمن هذا الامتداد.
ومن شأن وجود مطار إقليمي أن يشكل رافداً مهماً للتنمية، من خلال تسهيل حركة السكان ورجال الأعمال والمستثمرين والخبراء والعاملين في المشروعات الاقتصادية، وربط المحافظة بصورة أكثر فاعلية بالمراكز والمدن الرئيسية، واختصار المسافات أمام حركة الأفراد والبضائع والخدمات.
كما أن المطار يمكن أن يمنح الخرمة ميزة إضافية في استقطاب الاستثمارات، خصوصاً مع تنامي النشاط التعديني وما يمكن أن يصاحبه من مشروعات صناعية وخدمية ولوجستية، إذ ترتبط كفاءة البنية التحتية للنقل بصورة مباشرة بقدرة المدن والمحافظات على المنافسة واستقطاب المشروعات النوعية.
وفي التعليم العالي، تبدو الحاجة قائمة إلى تطوير منظومة التعليم الجامعي بما يتناسب مع احتياجات المحافظة والمنطقة، من خلال تحويل الكلية الجامعية إلى جامعة مستقلة تضم تخصصات متنوعة، وتكون قادرة على خدمة أبناء الخرمة والمحافظات والمراكز المجاورة.
فالجامعة لا تمثل مؤسسة تعليمية فحسب، وإنما يمكن أن تتحول إلى محرك تنموي وبحثي، ومركز لإنتاج المعرفة والابتكار، ومنصة لإعداد الكفاءات التي يحتاج إليها الاقتصاد المحلي. ومن المهم أن تتواءم تخصصاتها مع طبيعة المنطقة وفرصها المستقبلية، بما يشمل الهندسة والجيولوجيا والتعدين والبيئة والطاقة وتقنية المعلومات وإدارة الأعمال، إلى جانب التخصصات الصحية والعلمية والإنسانية.
ومن هنا يمكن للتعليم أن يصبح شريكاً مباشراً في التنمية، بدلاً من أن تكون مخرجاته منفصلة عن احتياجات سوق العمل؛ بحيث يجد الطالب أمامه مساراً تعليمياً يقوده إلى فرص حقيقية داخل محافظته والمنطقة المحيطة بها.
أما قطاع التعدين، الذي يمثل إحدى أهم نقاط القوة الاقتصادية في الخرمة، فإن الرهان الحقيقي فيه هو الإنسان قبل المعدن؛ ولذلك يبرز مطلب إنشاء معهد متخصص للتعدين، يتولى تأهيل وتدريب أبناء المحافظة في مجالات الاستكشاف والتنقيب واستخراج المعادن وتشغيل المناجم والصيانة والسلامة المهنية والبيئة.
مثل هذا المعهد يمكن أن يمثل حلقة الوصل بين الثروة والإنسان، ويحول النشاط التعديني إلى منظومة متكاملة لتأهيل الشباب وتوطين الوظائف ورفع نسبة مشاركة أبناء المحافظة في القطاع، بحيث لا تكون المناجم مجرد مواقع لاستخراج الثروات، بل مدارس عملية لصناعة الكفاءات والمهارات الوطنية.
ويمتد هذا الاحتياج إلى تطوير فرع الكلية التقنية في الخرمة وتحويله إلى كلية تقنية مستقلة تضم تخصصات متعددة تتناسب مع احتياجات سوق العمل، وتخدم القطاعات التعدينية والصناعية والخدمية المتنامية.
فالمرحلة المقبلة ستحتاج إلى كوادر متخصصة في الكهرباء والميكانيكا والإلكترونيات وتقنية المعلومات والصيانة والتشغيل والسلامة والطاقة وغيرها من المجالات الفنية، وهو ما يجعل التعليم والتدريب التقني جزءاً أساسياً من معادلة التنمية، وليس مساراً تعليمياً موازياً لها.
وعلى المستوى البلدي، فإن النمو العمراني والسكاني يستدعيان رفع فئة بلدية محافظة الخرمة، بما يعزز قدرتها على تنفيذ المشروعات ومواكبة الاحتياجات المتزايدة، إلى جانب اعتماد بلدية في مركز الغريف، بما يسهم في تقديم الخدمات البلدية بصورة أكثر سرعة وكفاءة، ويواكب التوسع العمراني في المحافظة ومراكزها.
كما تبرز الحاجة إلى مواصلة أعمال السفلتة وإعادة تأهيل الطرق والشوارع ورفع كفاءة شبكة الطرق الداخلية والخارجية، بما يتناسب مع التوسع العمراني والحركة الاقتصادية المتزايدة، ويعزز السلامة المرورية ويرفع جودة البنية التحتية.
ومع اتساع الأحياء والمخططات السكنية الجديدة، فإن التنمية العمرانية ينبغي أن تسير بالتوازي مع التنمية الخدمية، من خلال التوسع في افتتاح المراكز الصحية والمدارس ورياض الأطفال، بحيث تكون الخدمات الأساسية قريبة من السكان، ولا تتحول المسافات إلى عائق أمام الحصول على الرعاية الصحية أو التعليم.
وفي الجانب الأمني، يتطلع الأهالي إلى اعتماد مركز مستقل للدوريات الأمنية، بما يعزز الانتشار الأمني، ويرفع سرعة الاستجابة للبلاغات والحوادث، ويدعم مستوى السلامة داخل المحافظة وعلى الطرق والمواقع المحيطة بها.
وقد تبدو هذه المطالب للوهلة الأولى قائمة طويلة من الاحتياجات، لكنها في الواقع تمثل حلقات مترابطة ضمن منظومة تنموية واحدة.
فالمطار يدعم الاستثمار، والاستثمار يحتاج إلى طرق وبنية تحتية، والتعدين يحتاج إلى كوادر وطنية مؤهلة، والكوادر تحتاج إلى جامعة ومعهد وكلية تقنية، والنمو السكاني يحتاج إلى مستشفى ومدارس ومراكز صحية، وكل ذلك يحتاج إلى بلدية وأجهزة أمنية وخدمات قادرة على مواكبة مرحلة النمو.
ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى الخرمة بمنظور تنموي شامل، لا بمنظور المشروعات المنفردة.
فالمحافظة التي تمتلك ثروة معدنية وموقعاً استراتيجياً وامتداداً جغرافياً يمكنها أن تتحول إلى مركز اقتصادي يخدم نطاقاً أوسع من حدودها الإدارية، إذا ما اكتملت لديها مقومات النقل والتعليم والصحة والبنية التحتية والتدريب والاستثمار.
إن الذهب الموجود في نطاق الخرمة يمثل فرصة اقتصادية مهمة، لكن الفرصة الأكبر تكمن فيما يمكن أن يصنعه هذا الذهب من وظائف واستثمارات ومؤسسات تعليمية ومشروعات بنية تحتية وحراك اقتصادي يستفيد منه أبناء المحافظة.
فالثروة المعدنية لا ينبغي أن تكون نهاية القصة، وإنما بدايتها؛ بداية لمسار يربط التعدين بالتعليم والتدريب والتوظيف والاستثمار، ويجعل أبناء المحافظة شركاء حقيقيين في اقتصادها، ومستفيدين من الفرص التي تتيحها مواردها الطبيعية.
والخرمة اليوم أمام فرصة تنموية تستحق أن تُستثمر بالشكل الأمثل؛ فهي تمتلك الثروة، والموقع، والامتداد الجغرافي، والطموح، وما تحتاجه هو استكمال منظومة المقومات التي تجعل هذه الإمكانات أكثر قدرة على صناعة التنمية المستدامة.
إن ما يطالب به سكان الخرمة ليس ترفاً خدمياً، بل احتياجات تتصل بصورة مباشرة بمستقبل محافظة تتغير ملامحها وتتسع آفاقها الاقتصادية. فكلما توسع النشاط السكاني والاقتصادي، أصبحت الحاجة أكبر إلى خدمات تواكب هذا التحول، ومشروعات تستبق النمو بدلاً من أن تلحق به.
ومن مستشفى بسعة 200 سرير، إلى مطار إقليمي، وجامعة مستقلة، ومعهد متخصص للتعدين، وكلية تقنية متكاملة، وبلدية أكثر قدرة، ومراكز صحية ومدارس ورياض أطفال، ومركز مستقل للدوريات الأمنية، وطرق حديثة؛ تتشكل ملامح رؤية تنموية متكاملة يمكن أن تنقل الخرمة إلى مرحلة جديدة، وتجعل من إمكاناتها الاقتصادية أساساً لنمو أكثر شمولاً واستدامة.
وإذا كان لقب «مدينة الذهب» قد اختصر ثروة الخرمة تحت الأرض، فإن الطموح اليوم أن يعكس هذا اللقب نهضة فوق الأرض؛ نهضة يرى المواطن أثرها في جامعته، ومستشفاه، وطريقه، وفرصة عمله، وخدمات حيه، ومستقبل أبنائه.
فالرهان الحقيقي ليس على كمية الذهب التي تخرج من المناجم، وإنما على قيمة التنمية التي يمكن أن تبقى بعده.
والمعادلة الأهم أن تتحول الثروة الطبيعية إلى قيمة مستدامة؛ والذهب إلى وظائف، والمناجم إلى فرص تدريب، والاستثمار إلى مشروعات، والموقع الجغرافي إلى حركة اقتصادية، والتعليم إلى كفاءات، والخدمات إلى جودة حياة.
ومن هنا، فإن طموح الخرمة أكبر من أن تكون محافظة منتجة للذهب؛ الطموح أن تصبح نموذجاً لمحافظة استطاعت أن تحول ثروتها الطبيعية إلى تنمية شاملة، وأن تجعل من موقعها الاستراتيجي قاعدة للنمو، ومن شبابها قوة للعمل، ومن التعليم والتدريب جسراً للمستقبل، ومن الخدمات المتقدمة عنواناً لجودة الحياة.
إنها ببساطة معادلة تستحق أن تتحقق:
ذهبٌ في باطن الأرض.. وتنميةٌ فوقها.. ومستقبلٌ يصنعه أبناء الخرمة.


