يتقدم الذكاء الاصطناعي ليصبح المحرك الأبرز لاقتصاد جديد يقوم على الابتكار والبحث العلمي، فلم يعد الحديث عن التقنية في المملكة العربية السعودية ترفًا أو خيارًا مستقبليًا، بل أصبح واقعًا يتجسد في معامل الجامعات ومراكز الأبحاث ومنصات البيانات الوطنية، وفي السياسات التي تدفع المملكة نحو ريادة عالمية في إنتاج المعرفة.
ومع تسارع التحول الرقمي تتكشف ملامح مرحلة جديدة يتداخل فيها الإنسان مع الخوارزمية ويتحول فيها البحث العلمي من جهد فردي إلى منظومة ذكية قادرة على اكتشاف وتحليل وتوقع وصناعة حلول تتجاوز المختبرات التقليدية، وهنا تواصل المملكة ترسيخ مكانتها كقوة معرفية صاعدة، مستندة إلى رؤية وطنية تؤمن بأن البحث العلمي والابتكار هما المحرك الرئيس لاقتصاد المستقبل.
وتبرز بيانات هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار حجم هذا التحول، إذ سجلت المملكة نموًا لافتًا في الإنفاق على البحث والتطوير بنسبة 21% ليصل 22.6 مليار ريال في عام 2023، وارتفع عدد الباحثين بدوام كامل بنسبة 48% خلال 3 سنوات ليصل العدد الإجمالي 0.56% ألف باحث بدوام كامل، كما حققت المملكة تقدمًا في مؤشر الابتكار العالمي لتصل إلى المرتبة 47 عالميًا، كما أن براءات الاختراع الممنوحة حققت زيادة قدرها 60% في عام 2024 مقارنة بالعام الذي سبقه.
وتحسّن ترتيب المملكة في مؤشر سياسات وثقافة ريادة الأعمال من المركز الـ11 إلى الـ5 عالميًا، كما استمر التقدم في المؤشرات العالمية في عام 2024 حيث احتلت المملكة المركز 47 من بين 133 دولة في مؤشر الابتكار العالمي والمركز 33 في مؤشر الملكية الفكرية العالمي.
وقفز عدد المعامل البحثية لأكثر من 1000 معمل بحثي في المملكة يتبع لـ 30 جامعة ومركزًا بحثيًا، لتحقيق التميز النوعي وتعزيز مكانتها الدولية في الأبحاث والابتكارات، مما يؤكد أهمية رفع جودة أداء المنظومة البحثية والابتكارية في ظل الدعم والتمكين الهادف حيث نُشر ما يزيد عن 55 ألف ورقة علمية ضمن الأولويات الوطنية الأربع للبحث والتطوير والابتكار التي تتضمن صحة الإنسان واستدامة البيئة والاحتياجات الأساسية والريادة في الطاقة والصناعة، واقتصاديات المستقبل، فيما نمت المخرجات الابتكارية بالشراكة مع القطاع الخاص بنسبة 96%، وفقًا لتقرير هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار.
ويؤكد تقرير الهيئة أن النشر البحثي حقق على مدى عام واحد زيادة مقدارها 84% في معدل النشر العلمي ضمن قائمة أفضل 1%، وزاد تأثير الاستشهادات العلمية بنسبة 30% مقارنة بدول مجموعة العشرين، كما أشارت الهيئة في تقريرها أن عدد الباحثين المسجلين في المملكة ضمن الأولويات الوطنية الأربع تجاوز الـ 36 ألف باحث وباحثة، وسُجلت لدى الرابطة الدولية لواحات العلوم ومناطق الابتكار خلال العام الماضي خمس مناطق ابتكار، ليصل مجموعها إلى 10 مناطق على مستوى المملكة وفُعلت 12 مكتبًا لنقل التقنية في الجامعات ومراكز الأبحاث السعودية.
ووفقًا لتقرير الهيئة، استفاد من المنح البحثية ما يزيد عن 2500 عالم، وانضمت 160 شركة ناشئة في مجتمع الشركات الناشئة بالمملكة، فيما حظي أكثر من 400 مشروع و80 معملًا بحثيًا بالدعم في برامج المنح بقيمة تتجاوز 800 مليون ريال.
هذه القفزات تعكس بيئة وطنية داعمة، وسياسات حكومية مُحفّزة، واستثمارات متنامية في المعرفة والتقنية، لتصبح المملكة مركزًا إقليميًا للبحث والابتكار وإيجاد الحلول المبتكرة والداعمة للمنظومة ولمعالجة التحديات الوطنية والعالمية.
وتؤدي الجامعات السعودية دورًا محوريًا في تعزيز منظومة البحث العلمي والابتكار، إذ أضحت مراكز إنتاج معرفي متقدمة تحتضن معامل بحثية حديثة، ومراكز تميز في الذكاء الاصطناعي، وبرامج دراسات عليا متخصصة في التقنيات المتقدمة.
وأسهمت هذه الجامعات في رفع جودة النشر العلمي، وتفعيل مكاتب نقل التقنية، وتوسيع الشراكات الدولية، مما يجعلها رافدًا أساسيًا في بناء اقتصاد معرفي تنافسي، وداعمًا رئيسًا للباحثين في مختلف التخصصات العلمية.
وفي هذا السياق التقت وكالة الأنباء السعودية العميد والمؤسس لأول كلية إعلام واتصال في المملكة عضو هيئة التدريس السابق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبدالله الرفاعي، الذي أكد أن البحث العلمي يشهد نقلة نوعية بسبب دخول الذكاء الاصطناعي الذي وفّر الكثير من الجهد على الباحثين في مختلف التخصصات العلمية في ظل وجود خلاف حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي كعامل مساعد للباحث لا بديل عنه، خاصة أنه ما زال في طور التقدم والتحسين ويتوجب متابعته والتدقيق في مخرجاته.
وأشار الدكتور الرفاعي، إلى أن قدرة الباحث في الحوار مع الذكاء الاصطناعي للاستفادة منه والوصول إلى منتج، يُمثل الباحث ولا يُمثل الذكاء الاصطناعي، الذي يأتي بمثابة وسيلة مساعدة على سرعة الإنجاز واكتشاف مناطق بحثية جديدة جدًا مع أهمية بروز شخصية الباحث مستخدم الذكاء الاصطناعي.
وقال: إننا في اتجاه يفرض فيه الذكاء الاصطناعي حضوره العلمي، وعلى الباحثين تقبّل ذلك، والسعي لما فيه مصلحة البحث العلمي، لافتًا النظر إلى أن الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية للقدرة البشرية، يستدعي أن يستقبله الباحث بترحيب وتقنين يساعده على الإعلان عن استخدامه لا محاربة استخدامه في مجال البحث العلمي، داعيًا الجهات البحثية المعنية لتكون أكثر انفتاحًا له، ووعي ومعرفة الباحثين حتى تكون الاستفادة هي ما يصب في خدمة البحث العلمي.
تحولات البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي:
يشهد البحث العلمي تحولًا جذريًا في منهجياته، حيث لم يعد الباحث يعتمد على الأدوات التقليدية، بل أصبح الذكاء لاصطناعي شريكًا رئيسًا في مختلف مراحل البحث، فقد تغيرت بنية البحث العلمي وأصبحت الخوارزميات قادرة على جمع البيانات الضخمة وتحليليها في وقت قياسي، مما يختصر مراحل البحث ويزيد دقته، كما أن هناك صعودًا للنماذج التنبؤية إذ باتت النماذج الذكية تتوقع النتائج قبل تنفيذ التجارب، ما يقلل التكلفة ويرفع كفاءة المختبرات، بالإضافة إلى تسارع دورة إنتاج المعرفة لتتقلص الفجوة الزمنية بين الفكرة والاكتشاف، ولتنتقل الأبحاث بسرعة إلى تطبيقات علمية، كما انتقل الباحث من مُنفّذ إلى موجّه، فلم يعد الباحث يقوم بالمهام الروتينية، بل أصبح يوجه الأنظمة الذكية ويقود عمليات التحليل المتقدمة.
وفي ظل رؤية السعودية 2030، يحظى البحث العلمي في المملكة اليوم بتمكين ذكي تقوده الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا"، في ظل جهودها لبناء منظومة وطنية متكاملة للبيانات والذكاء الاصطناعي، لتُسهم في دعم الباحثين وتمكين الجهات الأكاديمية والبحثية من الاستفادة من التقنيات الحديثة، وتعزيز الابتكار القائم على البيانات وبناء القدرات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي بما يرسخ اقتصادًا معرفيًا أكثر تنافسية واستدامة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس إدارة لومينا سباير للبحوث والدراسات الدكتور عبدالله ناصر الحمود لوكالة الأنباء السعودية "واس"، أن الذكاء الاصطناعي غيّر الطريقة التي يصل بها الباحث إلى المادة العلمية ويتعامل معها، مستشهدًا باستخدامه في عدد من العلوم، قائلًا: في العلوم الاجتماعية، يستطيع الباحث استخدام أدوات تحليل اللغة لمعالجة آلاف الوثائق أو المقابلات أو المنشورات الرقمية، واستخراج الموضوعات المتكررة، وتصنيف المواقف، ورصد التحولات في الخطاب العام، وفي بحوث الإعلام، يمكن تحليل التغطيات الصحفية، والتفاعلات على المنصات، وأشكال انتشار المعلومات المضللة، وأنماط تقديم القضايا والأحداث.
ورأى الحمود أن جمع البيانات لم يعد مقتصرًا على الاستبانة والمقابلة والملاحظة المباشرة، حيث أضافت البيئة الرقمية مصادر واسعة، تشمل التعليقات العامة، وسجلات التفاعل، ومحركات البحث، والمنصات الاجتماعية، والأرشيفات الإعلامية، والمواد المصورة والمسموعة، وأجهزة الاستشعار، وصور الأقمار الاصطناعية، مؤكدًا أن هذه المصادر، تمنح الباحث قدرة على متابعة الظواهر في أثناء تشكّلها، بدلًا من دراستها بعد انتهائها فقط.
وقال الدكتور الحمود: في علم النفس، تساعد الأدوات الذكية في تنظيم المواد البحثية، وتحليل الإجابات المفتوحة، والتعرف على الأنماط اللغوية والسلوكية، وإعداد الدراسات التجريبية، وتحسين بعض مراحل الكتابة والتحليل، مضيفًا أنه في المجال الإعلامي، تستطيع النماذج تحليل تفاعل المستخدمين واقتراح الموضوعات التي يحتمل أن تجذب الاهتمام، أو تقدير سرعة انتشار معلومة، أو التعرف على الحسابات والأنماط المرتبطة بحملات التضليل، إلاّ أن هذه القدرات قد تستخدم أيضًا في توجيه المحتوى بصورة شديدة التخصيص، أو تضييق تنوع ما يصل إلى الجمهور، أو إعادة إنتاج تحيزات المنصات والبيانات.
وشدّد على أنه لا ينبغي النظر إلى التنبؤ بوصفه معرفة مؤكدة بالمستقبل، فالنموذج يكتشف علاقات مبنية على بيانات سابقة، لكنه قد لا يفهم الأسباب التاريخية والثقافية والنفسية التي صنعتها، وقد يتغير السلوك البشري نتيجة أحداث لم تظهر في بيانات التدريب، أو نتيجة اختلاف المجتمع واللغة والسياق.
وحول الدراسات البيئية، أوضح الدكتور الحمود أن الخوارزميات تتيح دمج صور الأقمار الاصطناعية ببيانات المناخ والتربة والمياه وأجهزة الرصد، ويمكن استخدامها لمتابعة إزالة الغابات، وتغير استخدامات الأراضي، وانتشار التلوث، وحرائق الغطاء النباتي، وتسربات الغازات، وغيرها من الظواهر التي يصعب رصدها ميدانيًا بصورة متواصلة، الأمر الذي أدى إلى تسارع دورة إنتاج المعرفة، فالعمليات التي كانت تحتاج إلى أسابيع من البحث والفرز والترميز يمكن إنجاز أجزاء منها خلال ساعات، كما يمكن للباحث الوصول بسرعة إلى مجموعة واسعة من الدراسات، وتلخيص اتجاهاتها، واقتراح تصنيفات أولية للبيانات، وإنتاج تصورات ورسوم تساعد في فهم النتائج، في حين أن هذه السرعة تحمل خطرًا مقابلًا، فسهولة إنتاج النصوص والتحليلات قد تؤدي إلى أبحاث متشابهة، أو استنتاجات سريعة، أو اعتماد مخرجات لم تُراجع بما يكفي، وقد يكتفي الباحث بإجابة منطقية تولّدها الأداة دون العودة إلى الدراسة الأصلية أو التأكد من سلامة المرجع والبيانات.
وشدّد على تغيّر دور الباحث من منفّذ لجميع العمليات إلى موجّه لها، فلم يعد مطالبًا بالقيام يدويًا بكل خطوة، لكنه يصبح أكثر مسؤولية عن اختيار السؤال والمنهج والبيانات والأداة، وعن فحص النتائج وتفسيرها وربطها بالسياق، وفي العلوم الاجتماعية تحديدًا، لا يكفي أن ينجح النموذج في تصنيف النص أو توقّع السلوك؛ إذ ينبغي للباحث أن يسأل عن معنى هذا التصنيف، وعن الفئات التي لم تظهر في البيانات، وعن أثر اللغة والثقافة والسياق السياسي والاجتماعي في النتيجة، وكلما ازدادت قدرة التقنية على التنفيذ، ازدادت الحاجة إلى الحكم البشري والنقد المنهجي.
أدوات الذكاء الاصطناعي في المختبرات:
تُسهم التقنيات الحديثة في رفع جودة الأبحاث وتسريع نتائجها، ومن أبرز الأدوات المستخدمة الروبوتات المخبرية المؤتمتة وهي تنفذ التجارب بدقة عالية وتقلل الأخطاء البشرية، وتساعد في تحليل الصور الطبية والبيولوجية من خلال تقنيات التعلّم العميق لكشف الخلايا السرطانية أو التشوهات الجنينية بدقة تفوق العين البشرية، ومن ذلك المحاكاة الحاسوبية المتقدمة التي تتيح اختبار الفرضيات في بيئات افتراضية قبل تنفيذها على أرض الواقع، كذلك منصات اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي التي تختصر سنوات من البحث عبر تحليل ملايين المركبات الكيميائية في دقائق.
وفي هذا الشأن، أوضح خبير التخطيط وإدارة الأداء في المجال الطبي الدكتور فهد بن أحمد الفيفي لـ"واس" أن المملكة حققت خلال السنوات الماضية تقدمًا مهمًا في بناء البيئة التي يمكن أن ينطلق منها استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الصحية، وإن كان من المهم التمييز بين التحول الرقمي في الخدمات الصحية وبين الاستخدام البحثي المتقدم للذكاء الاصطناعي، فما تحقق حتى الآن يتمثّل بدرجة أساسية في بناء الممكنات الوطنية: البنية الرقمية، وتكامل البيانات، والمنصات الصحية، والأطر التنظيمية، والقدرات المؤسسية؛ وهي جميعًا شروط أساسية لا يمكن أن تتطور الأبحاث الصحية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي من دونها.
وقال: على المستوى الوطني، أطلقت المملكة الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي لتطوير منظومة متكاملة تشمل البيانات، والقدرات البشرية، والبحث والابتكار، وتبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات ذات الأولوية، كما تتولى الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي قيادة وتنفيذ مشروعات بحثية وطنية، ودعم منظومة البحث والابتكار في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، وهو ما يوفر أساسًا مؤسسيًا يمكن توجيهه بصورة أوسع نحو الأبحاث الصحية وتحليل البيانات الطبية، مستشهدًا بإعلان الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في فبراير 2026 عن إطلاق مركز التميز للذكاء الاصطناعي في الصحة، بهدف دعم برنامج تحول القطاع الصحي وتطوير حلول قائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من انتقال الاهتمام بالذكاء الاصطناعي من مبادرات عامة ومتفرقة إلى بناء قدرة مؤسسية متخصصة في القطاع الصحي، بما يمكن أن يدعم مستقبلاً تطوير النماذج التنبؤية، وتحليل الصور الطبية، ودراسة الأنماط المرضية، واستخدام البيانات في توجيه الأولويات البحثية.
وأضاف: أسهم التحول الرقمي الصحي في تكوين قاعدة واسعة من البيانات والخدمات الإلكترونية، فقد أعلنت وزارة الصحة أن مستشفى صحة الافتراضي نفّذ خلال عام 2025 أكثر من 16 مليون موعد واستشارة طبية افتراضية، وهو رقم يعكس حجم التوسع في إنتاج البيانات الصحية الرقمية وتقديم الرعاية عن بُعد، ورغم أن هذه البيانات أُنشئت أساسًا لخدمة المرضى، فإنها تمثّل عند تنظيمها وإخفاء هوية أصحابها وإتاحتها وفق الأطر الأخلاقية والنظامية، مصدرًا مهمًا للأبحاث المتعلقة بأنماط استخدام الخدمات، والطلب الصحي، وفعالية التدخلات، والفوارق الجغرافية في الوصول إلى الرعاية".
الذكاء الاصطناعي في النشر العلمي:
أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في منظومة النشر العلمي عالميًا حيث حسّن مراجعة الأقران من خلال أدوات التحقق الآلي التي تكشف الأخطاء المنهجية والبيانات غير المتسقة، وكشف الانتحال العلمي عبر خوارزميات متقدمة تقارن النصوص بملايين الأبحاث المنشورة، وتحسن جودة الكتابة الأكاديمية من خلال منصات التحرير الذكية التي تساعد الباحثين على صياغة نصوص دقيقة وواضحة، كما ظهرت مؤخرًا مجلات جديدة تعتمد على الخوارزميات وتستخدم الذكاء الاصطناعي في تقييم الأبحاث وتسريع النشر.
حول ذلك رأى الدكتور عبدالله ناصر الحمود، أن الذكاء الاصطناعي لم يقتصر على إعداد البحوث، بل امتد إلى منظومة النشر العلمي، فأصبحت الأدوات تستخدم في الفحص الأوّلي للبحوث، واكتشاف التشابهات النصية، وفحص المراجع، وتحليل الصور والجداول، واقتراح المحكمين، ومتابعة إجراءات المراجعة، وفي البحوث الاجتماعية والإعلامية، يمكن لهذه الأدوات أن تنبّه الباحث إلى نقص في أجزاء المنهج، أو إلى مراجع غير مكتملة، أو إلى تشابه كبير مع مواد منشورة، كما يمكن أن تساعد في التعرف على دراسات تستخدم نصوصًا مصطنعة، أو مراجع لا وجود لها، أو بيانات وجداول غير متسقة.
وأشار إلى أن الرابطة الدولية لناشري العلوم والتقنية والطب تدير مركزًا للنزاهة البحثية يتيح للناشرين فحص المخطوطات ورصد مؤشرات ترتبط بالأبحاث المصطنعة أو ما يعرف بمصانع الأوراق العلمية، مستشهدًا ببيانات الرابطة المنشورة في سبتمبر 2025، حيث كان أكثر من 35 ناشرًا يستخدمون المركز لفحص ما يزيد على 125 ألف بحث شهريًا، مع اعتراض نحو ألف بحث مشتبه في ارتباطه بمصانع الأوراق كل شهر، وهذه الأرقام تخص الناشرين المشاركين في المركز، ولا تمثل مجموع البحوث عالميًا.
ورأى الحمود أن الأدوات تساعد على تحسين اللغة، وتنظيم الفقرات، واختصار النصوص، وترجمة المواد، وتوضيح بعض الأفكار، وتفيد هذه الإمكانات الباحثين الذين يكتبون بلغة غير لغتهم الأولى، كما تقلل الوقت الذي تستغرقه عمليات التحرير الأولية، لكن تحسين الصياغة يختلف عن تفويض النظام في إنتاج الحقائق أو المراجع أو النتائج، وقد تنتج النماذج مراجع تبدو صحيحة من حيث شكلها، لكنها غير موجودة، أو تنسب معلومة إلى مصدر لا يتضمنها، ولهذا لا يجوز اعتماد أي اقتباس أو رقم أو مرجع قبل الرجوع إلى مصدره الأصلي.
ونوّه بأن سياسة مجلات الجمعية الأمريكية لعلم النفس الباحثين تُلزم بالإفصاح عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار أو المحتوى أو التحليل أو الشفرات أو مكونات البحث، مع بقاء المسؤولية عن العمل على المؤلف البشري (APA)، وحول ما يوصف بظهور مجلات معتمدة على الخوارزميات، قال الحمود "الأدق فهمه بوصفه توسعًا في أتمتة مراحل النشر، لا انتقالًا كاملًا للقرار العلمي إلى الآلة، فالخوارزميات تدير استقبال البحوث، والفحص الأولي، واختيار المحكمين، ومتابعة التعديلات، واقتراح المواد للقراء، بينما ينبغي أن يظل قرار القبول أو الرفض مسؤولية تحريرية بشرية".
حوكمة وأخلاقيات البحث العلمي:
مع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي تبرز قضايا أخلاقية تتطلب تنظيمًا دقيقًا منها ملكية البيانات وضرورة تحديد حقوق استخدام البيانات الضخمة التي تجمع من المشاركين، فضلًا عن التحيز الخوارزمي فقد تنتج الخوارزميات قرارات غير عادلة إذا لم تُدرب على بيانات متنوعة، إضافة إلى أن مسؤولية النتائج أصبحت مسؤولية في حد ذاتها فمن يتحمل الأخطاء الناتجة عن النماذج الذكية، وفوق كل ذلك حماية خصوصية المشاركين وأهمية تطوير بروتوكولات تضمن سرية البيانات الحساسة.
وفي المقابل، يفرض هذا التطور مسؤوليات متزايدة لضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي بما يحافظ على النزاهة الأكاديمية ويعزز موثوقية النتائج ويحمي الخصوصية والملكية الفكرية ويضمن الشفافية وقابلية التحقق من المخرجات العلمية، ومن هنا تبرز أهمية الأطر التنظيمية والحوكمة وبناء القدرات البشرية جنبًا إلى جنب مع التطور التقني، لضمان أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة الإنسان وتعزيز التنمية المستدامة.
وفي هذا الجانب، رأى الدكتور الحمود أن حوكمة الذكاء الاصطناعي لم تعد جانبًا تنظيميًا لاحقًا للبحث، بل أصبحت شرطًا من شروط سلامته، طارحًا مجموعة من الأسئلة الأخلاقية التي تبدأ قبل التحليل منها: من أين جاءت البيانات؟ وهل وافق أصحابها على هذا الاستخدام؟ وهل تعد المنشورات العامة على المنصات متاحة تلقائيًا للبحث؟ وهل يجوز جمعها وربطها ببيانات أخرى؟ وتظهر قضية ملكية البيانات بوضوح في بحوث الإعلام والرأي العام.
ولفت الحمود الانتباه إلى أن المخاطر في علم النفس أكبر عندما تتضمن البيانات معلومات عن المشاعر، أو السلوك، أو الحالات النفسية، أو التجارب الشخصية، ولا يجوز إدخال هذه المواد في أنظمة لا تضمن السرية أو لا توضح أين تخزن البيانات وكيف تستخدم، أما التحيز الخوارزمي، فينشأ عندما تعكس بيانات التدريب فئة محددة أكثر من غيرها، وقد يفشل نموذج لتحليل المشاعر، مستشهدًا بفهم اللهجات أو السخرية أو التعبيرات المحلية، فتصنفها الخوارزمية على نحو خاطئ، وقد يتعامل نموذج طور في بيئة ثقافية معينة مع سلوك إنساني بوصفه طبيعيًا أو منحرفًا استنادًا إلى معايير لا تنطبق على مجتمع آخر، بينما في البحوث الإعلامية، تعطي النماذج وزنًا أكبر للمحتوى الأكثر انتشارًا أو للأصوات الأعلى تفاعلًا، فتقدمها باعتبارها ممثلة للرأي العام، رغم أن فئات واسعة من المجتمع لا تستخدم المنصات نفسها أو لا تعبر عن آرائها علنًا.
وأشار إلى أن مسؤولية النتائج تظل على الباحث والمؤسسة، فلا يمكن اعتبار الخوارزمية طرفًا يتحمل الخطأ، لأنها لا تختار بنفسها الغرض من الدراسة أو المجتمع أو المتغيرات أو مستوى الاعتماد على النتائج، فالإنسان هو الذي قرر استخدامها، وقبل مخرجاتها، وبنى عليها استنتاجاته، وتتطلب الحوكمة توثيق اسم النظام المستخدم وإصداره، والغرض من استخدامه، ونوع البيانات التي أدخلت إليه، وطريقة مراجعة مخرجاته، وهذا مهم لأن الأدوات تتغير سريعًا، وقد ينتج الإصدار اللاحق نتائج مختلفة حتى عند استخدام التعليمات نفسها، داعيًا إلى حماية المشاركين عن طريق تقليل البيانات إلى الحد الضروري، وإخفاء الهوية، وتشفير الملفات، وضبط صلاحيات الوصول، وعدم إدخال المعلومات الحساسة في المنصات العامة، وفي بعض الدراسات، يجب تحديث الموافقة المستنيرة لتوضح أن البيانات ستخضع لتحليل آلي أو ستنقل إلى بيئة سحابية.
المرأة والذكاء الاصطناعي في البحث العلمي:
تؤدي المرأة السعودية دورًا محوريًا في قيادة التحول المعرفي منها تمثيل المرأة في مجالات (STEM) وتزايد حضور الباحثات في الجامعات والمراكز البحثية، كذلك دور الباحثات في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتصدرها نماذج وطنية تقود مشاريع في الصحة والطاقة والبيانات الضخمة، ورغم التحديات تتيح التقنيات الحديثة فرصًا واسعة لقيادة المشاريع البحثية المستقبلية.
وأسهمت مشاركة المرأة في رفع جودة الإنتاجات البحثية حيث أتاحت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار العديد من الفرص والدعم والتمكين للباحثات النساء ضمن الأولويات الوطنية تعزيزًا لدورهن في تحقيق التقدم العلمي والمعرفي لتُسهم تلك الممكنات إلى جانب التكامل بين مختلف الجهات الحكومية في ارتفاع مشاركة الباحثات من 19.3 % إلى 30.3% بزيادة قدرها 57% خلال الأعوام القليلة الماضية.
من جهتها عدت وكيلة كلية الإعلام والاتصال بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتورة نوير الشمري لـ"واس"، الذكاء الاصطناعي بمثابة فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الباحث والمجتمع من منظور الاتصال العلمي، من خلال تبسيط المعرفة العلمية، وتحسين الوصول إليها، وتوسيع أثرها عبر المنصات الرقمية، بما يُسهم في تعزيز الثقة بالبحث العلمي وتحويله إلى قوة داعمة للتنمية وصنع السياسات.
وفيما يتعلق بتمكين المرأة، أكدت الشمري، أن الذكاء الاصطناعي أتاح فرصًا غير مسبوقة لتوسيع مشاركتها في المنظومة البحثية، من خلال إتاحة أدوات متقدمة للتحليل والتجريب والتعاون الدولي، مما يعزز حضور الباحثات في المشاريع العلمية متعددة التخصصات، ويدعم إنتاج المعرفة والابتكار على المستويين المحلي والعالمي، وأنه رغم هذه الفرص، فإن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي يظل ضرورة ملحة، من خلال وضع أطر أخلاقية واضحة تضمن الشفافية، وحماية الملكية الفكرية، والحد من التحيز الخوارزمي، والمحافظة على النزاهة العلمية، بحيث يبقى الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للباحث لا بديلًا عن التفكير النقدي والإبداع العلمي.
بدورها، أكدت أستاذ صحافة الذكاء الاصطناعي الدكتورة لمياء بنت حمدان العنزي لوكالة الأنباء السعودية، أن الخوارزميات اليوم ليست مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت شريكًا معرفيًّا لا يمكن الاستغناء عنه في هذه المرحلة التي تشهد تنافس غير مسبوق بين الأمم للفوز بالريادة العلمية، ولا يمكن إغفال دورها في عملية الاكتشاف العلمي فهي قادرة على تحليل ملايين المتغيرات، وتوليد فرضيات جديدة، والتنبؤ بنتائج التجارب قبل تنفيذها، وفي سياق صحافة الذكاء الاصطناعي، تسهم الخوارزميات في تعزيز دقة المحتوى العلمي المنشور، عبر توفير نماذج تحليلية تساعد على تفسير البيانات المعقدة وتقديمها للجمهور بأسلوب موثوق.
وقالت: إن الذكاء الاصطناعي عادل مع الجميع ويقف على بعد نقطة واحدة من الرجل والمرأة الصغير والكبير، يخدم من يستطيع استخدامه وتوظيفه، ومع ذلك يمكنني القول إن الذكاء الاصطناعي أسهم في تمكين الباحثات في مجالات الإعلام والبحث العلمي عبر توفير أدوات تحليل متقدمة تقلل العبء التقني، وتتيح الوصول إلى قواعد بيانات واسعة، وتمكّن من إنتاج محتوى علمي عالي الجودة كما عزز حضور المرأة في مجالات التقنية المتقدمة، وفتح أمامها فرصًا أكبر لقيادة مشاريع بحثية وصحفية تعتمد على البيانات والابتكار.
وأضافت العنزي: أن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي يتطلب توظيفه في التحليل والدعم دون الاعتماد عليه في إنتاج المحتوى العلمي الأصلي، ويجب على الباحث توثيق مصادر البيانات، والتحقق من صحة المخرجات، والالتزام بسياسات النزاهة الأكاديمية، لافتة النظر إلى أنه في مجال صحافة الذكاء الاصطناعي، يصبح التحقق الرقمي ضرورة لضمان عدم نشر محتوى مولّد دون مراجعة بشرية دقيقة ولا بد من وجود مرجعيات حاكمه يستند إليها الباحث والمحكم حتى تكون الممارسة العلمية والاعلامية في إطار قانوني.
وشددت على وجود مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات البحثية، وهي مسؤولية بناء ثقافة بحثية واعية عبر تطوير سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتوفير منصات آمنة، وإطلاق برامج تدريبية متخصصة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، داعية إلى أن تعمل المؤسسات على تعزيز مهارات التحقق الرقمي لدى الطلبة، بما يضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة في البيئات الأكاديمية والإعلامية، ومنوهة بأن هناك مفاهيم خاطئة تحتاج إلى تصحيح، منها الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قادر على استبدال الباحث أو الصحفي بالكامل، أو أنه ينتج معرفة دقيقة دون تدخل بشري هذه التصورات تحتاج إلى تصحيح مستمر لضمان الاستخدام السليم للتقنيات، وتعزيز فهم الطلبة لدور الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة وليست بديل عن التفكير العلمي والتحقق الصحفي.
حلول وطنية لمنظومة البحث والابتكار:
أطلقت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار برامج المنح البحثية في عام 2025م بهدف تطوير قطاع البحث والتطوير والابتكار، وتمكين الباحثين والمبتكرين من تطوير أبحاث وابتكارات رائدة تحقق مستهدفات الأولويات الوطنيّة، وتعزّز ريادة المملكة في القطاع، وتندرج المنح البحثية ضمن أربعة برامج رئيسة تتمثل في البرنامج السعودي للعلوم الأساسية، والبرنامج السعودي للأبحاث التطبيقية والتقنية، والبرنامج السعودي للباحث الناشئ، وبرنامج الأبحاث الريادية، وتغطي هذه البرامج جميع مراحل البحث والتطوير والابتكار ضمن الأولويات الوطنية: صحة الإنسان، والبيئة المستدامة والاحتياجات الأساسية، والريادة في الطاقة والصناعة، واقتصاديات المستقبل، وتستهدف الهيئة في إطلاق هذه البرامج الباحثين والمبتكرين وأعضاء هيئة التدريس والمُتخصصين في الجامعات السعودية ومراكز البحوث الوطنية وكراسي البحث العلمي ضمن القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، ويشمل ذلك أصحاب المُنشآت التقنية الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال.
وفي سياق متصل، أطلقت الهيئة "إطار مناطق الابتكار" الذي يُمثل خارطة طريق شاملة تهدف إلى توحيد معايير تصميم وإدارة تشغيل مناطق الابتكار في المملكة بما يضمن تحولها من أصول عقارية تقليدية إلى منظومة حيوية ومتكاملة تعزز التنافسية العالمية للمملكة، وذلك في سياق غير مسبوق يشهده قطاع البحث والتطوير والابتكار لمعالجة تباين مستويات النضج في المناطق الحالية عبر تقديم مرجع معياري موحد ينقل التركيز من إدارة الممتلكات والمرافق إلى بناء المجتمعات المعرفية تحت شعار "نصنع المكان موطنًا للفرص".
من جانب آخر، أعلنت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، تأسيس "التجمع الوطني للحوسبة الكمية" بهدف تمكين بنية مستقبلية قائمة على مبادئ الكم وما تتيحه من إمكانات لإطلاق حلول مبتكرة تعالج التحديات الوطنية والدولية في ضوء الأولويات الوطنية لقطاع البحث والتطوير والابتكار.
وحول ذلك، رأى الدكتور الفيفي، أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الصحية لم يعد مقتصرًا على تسريع العمليات الحسابية أو تحليل كميات أكبر من البيانات، بل امتد ليغير المنهجية العلمية التي تُبنى عليها الأبحاث منذ لحظة طرح السؤال البحثي وحتى تحويل النتائج إلى سياسات صحية وتطبيقات عملية، فخلال السنوات الأخيرة انتقل الباحث من الاعتماد على أدوات تحليل تقليدية إلى منظومة قادرة على معالجة ملايين السجلات الطبية، وتحليل الصور الطبية، وربط البيانات السريرية بالبيانات الجينومية والدوائية والبيئية، واكتشاف أنماط يصعب الوصول إليها بالأساليب التقليدية.
وتابع قائلًا: لقد أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم تُستخدم في مراجعة الأدبيات العلمية بصورة أكثر كفاءة، واستخراج الفجوات البحثية، وتحليل قواعد البيانات الضخمة، وبناء النماذج التنبؤية، وتحديد عوامل الخطورة للأمراض، بل والمساعدة على تصميم الدراسات وتحليل نتائجها، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الذكاء الاصطناعي يُمثّل أحد أهم الممكنات لتطوير الأنظمة الصحية وتحسين جودة القرارات المبنية على الأدلة، شريطة الالتزام بأطر الحوكمة والشفافية وحماية البيانات.
وأوضح الفيفي أن التحول القادم لن يكون في استخدام الذكاء الاصطناعي لإجراء الأبحاث فحسب، بل في إعادة تعريف مفهوم الباحث نفسه، فالباحث في المستقبل لن يقضي الجزء الأكبر من وقته في جمع البيانات أو مراجعة آلاف الدراسات يدويًا، وإنما في تفسير النتائج، وصياغة الفرضيات الجديدة، وتقييم الأثر، واتخاذ القرارات العلمية، وسيصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا معرفيًا يزيد إنتاجية الباحث، ولا يلغي دوره، ولذلك فإن التنافس بين الدول لن يكون على امتلاك أفضل خوارزمية، وإنما على بناء منظومة وطنية تجمع بين البيانات عالية الجودة، والكفاءات البشرية، والتشريعات المرنة، والبنية الرقمية، والقدرة على تحويل نتائج الأبحاث إلى سياسات ومنتجات وخدمات صحية تحقق أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملموسًا.
واختتم الفيفي حديثه لـ"واس" بقوله: إن المملكة تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتكون من الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال، ليس فقط لأنها استثمرت في التحول الرقمي الصحي، بل لأنها تبني منظومة وطنية متكاملة للبيانات والذكاء الاصطناعي والابتكار، مؤكدًا أنها إذا نجحت في ربط هذه المنظومة بالأولويات البحثية الوطنية، فإن الأبحاث الصحية ستتحول خلال السنوات القادمة من نشاط أكاديمي تقليدي إلى محرك رئيس للاقتصاد المعرفي، وداعم مباشر لصناعة القرار الصحي، ومصدر للابتكار والاستثمار والتنمية المستدامة.
البيانات الضخمة كمحرك للبحث العلمي:
أصبحت البيانات الوقود الأساسي للاكتشافات العلمية وبمثابة مصادر البيانات الجديدة وأجهزة الاستشعار ومنها السجلات الصحية والمنصات الرقمية، بل أضحت البيانات أداة التكامل لقواعد البيانات العالمية، إذ تتيح للباحثين الوصول إلى ملايين الدراسات في لحظة واحدة، نظرًا للدور الكبير للحوسبة السحابية في توفيرها للباحث معالجة هائلة لتسريع التجارب والمحاكاة وإجراء الدراسات بيسر وسهولة في أقل وقت ممكن.
ويُمثل عام 2026، الذي سُمي في المملكة "عام الذكاء الاصطناعي" فرصة مهمة لتسريع تبنّي هذه التقنيات في منظومة البحث والتطوير والابتكار، وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والجامعات والمراكز البحثية والقطاع الخاص، بما يُسهم في تحويل المملكة إلى مركز عالمي للابتكار والبحث العلمي القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي، ويعزز إسهامها في تحويل إنتاج المعرفة وصناعة الحلول للتحديات العالمية.
وفي هذا السياق، عدّ الدكتور عبدالله الحمود، البيانات الضخمة، المحرك الرئيس للتحول الجاري في العلوم الاجتماعية والإعلام والبيئة، فهي لا تعني مجرد وجود ملفات كثيرة، بل وجود بيانات متنوعة وسريعة التدفق، تتطلب أدوات حسابية قادرة على تخزينها وربطها وتحليلها، مفيدًا أنه في علم النفس والعلوم الاجتماعية، تسمح البيانات الرقمية بدراسة السلوك في بيئته اليومية بدلًا من الاقتصار على إجابات المشاركين داخل المختبر، كما يمكن رصد أنماط التواصل، وتغيّر اللغة، والإيقاع الزمني للتفاعل، والعلاقة بين الأحداث العامة وتعبيرات الجمهور، معيبًا على هذا الاتساع إثارته لمشكلة التمثيل، فمستخدمو منصة معينة لا يمثلون المجتمع كله، والحسابات الأكثر نشاطًا لا تمثل بالضرورة الأغلبية، والتفاعل الرقمي لا يكشف دائمًا عن الدافع الحقيقي أو الموقف المستقر، مطالبًا - في الوقت ذاته - بعدم استبدال العينات العلمية ببيانات المنصات من دون تقدير انحيازها وحدودها.
ورأى الحمود أنه في مجال البيئة، تمثّل صور الأقمار الاصطناعية وأجهزة الرصد وشبكات الطقس والمياه والهواء مصادر مستمرة للبيانات، وتساعد الخوارزميات في اكتشاف التغيرات ومقارنتها زمنيًا ومكانيًا، ودعم الإنذار المبكر، وتحديد المناطق الأكثر حاجة إلى تدخل، مشددًا على أن التكامل بين قواعد البيانات العالمية يتيح الجمع بين مصادر جغرافية واجتماعية وإعلامية وبيئية، وهو ما يفتح الباب أمام دراسات متعددة التخصصات.
مستقبل الباحث البشري:
يتجه المستقبل نحو نموذج "الباحث الهجين" الذي يدمج بين العمل التقليدي والخوارزمي، إذ يؤكد الخبراء والباحثون أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الباحث بل سيعزز دوره، في ظل ما يمتلكه من مهارات تشمل تحليل البيانات، والإشراف على الأنظمة الذكية، والتفكير النقدي، وهذا الباحث سيقود منظومة معرفية تعتمد على الإنسان والآلة معًا.
ويؤكد ما نشهده اليوم، أن الذكاء الاصطناعي لن يكون بديلًا عن الباحث البشري، بل شريكًا إستراتيجيًا يعزز قدراته ويمنحه أدوات أكثر كفاءة لإنجاز أعماله، فالآلة تستطيع معالجة ملايين البيانات واكتشاف العلاقات بينها في وقت قياسي، إلا أن صياغة الأسئلة العلمية، وتحديد أولويات البحث، وفهم الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، وتقييم النتائج، واتخاذ القرار العلمي، ستظل مسؤوليات يقودها العقل البشري بما يمتلكه من خبرة وإبداع وحس نقدي.
وحول مستقبل الباحث البشري، أكد الحمود أن الاتجاهات الحالية لا تشير إلى اختفاء الباحث البشري، بل إلى إعادة توزيع مهامه فالآلة ستتولى قدرًا أكبر من البحث الأولي والفرز والتصنيف والتلخيص والحساب، بينما تزداد قيمة المهارات المتعلقة بصياغة الأسئلة، وفهم السياق، وتفسير النتائج، والحكم الأخلاقي.
واستشهد الحمود بمجال العلوم الاجتماعية، إذ لا يستطيع الذكاء الاصطناعي وحده تحديد ما إذا كانت الظاهرة مهمة اجتماعيًا، أو ما إذا كان تصنيف معين يحمل تحيزًا ثقافيًا، أو ما إذا كانت العلاقة الإحصائية تعكس سببًا حقيقيًا، كما لا يستطيع تحمل المسؤولية عن الأثر الذي قد يترتب على نشر نتيجة تخص فئة اجتماعية أو نفسية، بينما في الإعلام، يمكن للأداة أن تلخص وثائق أو تقترح عنوانًا أو تحلل مجموعة بيانات، لكنها لا تعوّض مهارة الصحفي في بناء العلاقات مع المصادر، وفهم المصلحة العامة، وتقييم الضرر المحتمل، ومواجهة السلطة، والتحقق الميداني، وإدراك دلالات الصمت والسياق.
ونوه بأهمية مفهوم "الباحث الهجين" الذي يمتلك معرفة عميقة بتخصصه، ويستطيع في الوقت نفسه التعامل مع البيانات والأدوات الذكية، وفهم حدودها، واختبار مخرجاتها، وشرح طريقة استخدامها، مضيفًا: أنه لا تعني هذه المهارة أن يتحوّل كل باحث إلى مبرمج، بل أن يعرف كيف تُنتج النتيجة، وما نوع البيانات التي تقوم عليها، وكيف يمكن قياس الخطأ والتحيز، ومتى تكون الأداة مناسبة، ومتى يصبح استخدامها عبئًا منهجيًا، مشددًا على أن الباحث الهجين يحتاج إلى ثقافة في البيانات، وإلمام بمبادئ الخوارزميات، وقدرة على التحقق من المصادر والمراجع، وفهم للخصوصية والأمن، ومهارات في التفسير والنقد، إضافة إلى معرفة الفرق بين استخدام الأداة للاستكشاف وبين اعتماد مخرجاتها دليلًا علميًا.
وتابع حديثه مع "واس" قائلًا: "لا يتمثّل مستقبل البحث في استبدال المناهج التقليدية بالخوارزميات، بل في التكامل بينها، فقد يكتشف التحليل الآلي اتجاهًا داخل ملايين النصوص، ثم يختبره الباحث من خلال عيّنة مدروسة ومقابلات متعمقة وتحليل للسياق"، مشيرًا إلى أن المؤسسات الأكثر تقدمًا لن تكون بالضرورة التي تستخدم أكبر عدد من النماذج، بل التي تعرف متى تستخدمها، وكيف تدرب باحثوها عليها، وكيف تحمي البيانات، وتوثق الإجراءات، وتتيح مراجعة القرارات.
الاقتصاد المعرفي والابتكار:
تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم اقتصاد الابتكار عبر رفع كفاءة الإنتاج الصناعي، وتعزيز تنافسية الشركات الناشئة حيث حققت المملكة المركز السادس عالميًا في تمويلها، ودعم الجامعات السعودية في التحول المعرفي عبر مراكز بحثية متقدمة، بالإضافة إلى فتح فرص استثمارية في البحث العلمي المؤتمت.
في هذا السياق، قال وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للبحث العلمي، والمشرف على كراسي البحث سابقًا الدكتور فهد بن عبدالعزيز العسكر، لـ"واس": "لقد اعتاد الباحثون فيما مضى على تخصيص جزء كبير من جهودهم للقيام بالمهام البحثية الإجرائية؛ ولعل هذا التطور أتاح للباحثين فرصة التركيز بشكل أكبر على جوهر البحث العلمي، المتمثّل في بناء الأفكار البحثية، وصياغة الأسئلة، وبناء الفروض، وتفسير النتائج، وربطها بسياقاتها العلمية والاجتماعية".
وأضاف: أن القيمة العلمية للباحثين في المستقبل لن تقاس بمدى قدرتهم على الوصول إلى المعلومات، لأن هذه القدرة أصبحت متاحة للجميع، وإن كانت بدرجات متفاوتة، وإنما ستقاس بمدى قدرتهم على تصميم الدراسات التي تعالج المشكلات الحقيقية، وبمدى قدرتهم على تحويل البيانات إلى معارف جديدة ذات قيمة علمية، مهنية ومجتمعية، فالمعلومات أصبحت متاحة بشكل غير مسبوق، أما إنتاج المعرفة فما زال ضمن مسؤوليات الأفراد.
وتوقّع العسكر أن تتوسّع الدراسات القائمة على تحليل البيانات الضخمة، وأن يزداد الاعتماد على النماذج التنبؤية والمحاكاة، من خلال قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته على تحليل قواعد البيانات الضخمة، والكشف عن العلاقات والأنماط التي يصعب ملاحظتها بالأساليب التقليدية، واقتراح الفرضيات، وبناء النماذج التنبؤية الأكثر دقة، مؤكدًا أن آثار ذلك بدأت تظهر في عدد من المجالات، لا سيما: الطب، والعلوم الحيوية، والهندسة، حيث أصبحت الخوارزميات أدوات فاعلة في دعم القرار البحثي، وليست مجرد وسائل لمعالجة البيانات.
وتابع العسكر: أن هذا التحول يطرح في الوقت نفسه تحديات علمية وأخلاقية لا تقل أهمية عن الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، فالاعتماد غير المنضبط على أدوات الذكاء قد يؤدي إلى تراجع مهارات التفكير النقدي لدى بعض الباحثين، كما أن هذه الأدوات قد تُنتج معلومات أو مراجع غير دقيقة، نتيجة ما يُعرف بظاهرة هلوسة الذكاء الاصطناعي، يضاف إلى ذلك ما يتعلق بقضايا التحيز الخوارزمي، واختراق خصوصية البيانات، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وحدود المسؤولية البشرية عن المحتوى الذي يتم إنتاجه بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
من جانب آخر رأى العسكر أن التحدي الأكبر الذي سيواجه المؤسسات البحثية في العالم خلال الأعوام القادمة لا يتمثل في توفير أدوات الذكاء الاصطناعي للباحثين، وإنما في بناء حوكمة تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، وتضع معايير واضحة للإفصاح عن استخدامها، وآليات للتحقق من جودة المخرجات العلمية، بما يحافظ على النزاهة الأكاديمية، ويعزز الثقة في نتائج البحوث.
وأشار إلى أن أبرز التحولات التي ستفرض نفسها خلال السنوات المقبلة، ضرورة إعادة النظر في معايير تقويم الباحثين والإنتاج العلمي، خاصة أن الأوساط البحثية والأكاديمية اعتادت لعقود طويلة على قياس كفاءة الباحثين بعدد بحوثهم المنشورة، أو بمعدل الرجوع لهذه الأبحاث والاستشهاد بها، إلا أن هذه المؤشرات ستفقد جزءًا من قيمتها مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت قادرة على اختصار كثير من الوقت والجهد.
وتوقع العسكر أن تتجه الجامعات، والمراكز البحثية، والجهات المانحة، وأنظمة الترقيات الأكاديمية، وسياسات النشر العلمي، ومعايير التمويل البحثي إلى التركيز بصورة أكبر على أصالة الأفكار البحثية، وجودة تصاميم الدراسات، ومدى قدرة الأبحاث على تقديم إسهامات علمية حقيقية، وآثار مجتمعية مستدامة، بدلاً من الاقتصار على المؤشرات الكمية التقليدية، كما توقع أن يتغير مفهوم الباحث المتميز، ففي المستقبل قد لا يكون الباحث الأفضل هو الأكثر قدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما الأكثر قدرة على اكتشاف حدود هذه الأدوات، وتوجيهها لتحقيق غاياته البحثية، والتحقق من مخرجاتها، واستثمارها في معالجة القضايا العلمية ذات الأولوية للمجتمع، مؤكدًا أن الإبداع العلمي، والتفكير النقدي سيقتصر على الباحثين المتميزين دون غيرهم.
وأشار إلى تغيرات في معايير تقويم الباحثين مرشحة، كما أن طبيعة البحوث نفسها مرشحة أيضًا للتحول إذ من المرجح وفقًا للعسكر أن يُسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز البحوث متعددة التخصصات، نظرًا لقدرته على الربط بين كميات هائلة من المعارف المتنوعة، الأمر الذي سيساعد على معالجة القضايا المتداخلة، التي يصعب قصر تناولها على تخصص واحد، مثل قضايا الاستدامة، والتغير المناخي، والتحول الرقمي وغيرها من القضايا التي تتطلب تكاملًا بين العلوم التطبيقية، والإنسانية والاجتماعية.
التحديات المستقبلية:
رغم التقدم، تواجه منظومة البحث العلمي تحيات تتطلب معالجة منها فجوة المهارات بين الباحثين والتقنيات الحديثة، والاعتماد المفرط على الخوارزميات، ومخاطر التزييف العلمي باستخدام الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن الحاجة إلى تشريعات جديدة تنظم استخدام البيانات والأنظمة الذكية.
في هذا السياق، أشار الدكتور الفيفي إلى جملة التحديات التي تواجه البحث العلمي ومنها أن البيانات المجزأة بين المؤسسات تقلل من القيمة العلمية والاقتصادية للأبحاث، حتى وإن كانت كميات البيانات كبيرة، بالإضافة إلى تحدي الحوكمة وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وتنمية الكفاءات متعددة التخصصات، كذلك التمويل المستدام للأبحاث ذات الأولوية الوطنية، مشددًا على أن الفرصة الحقيقية تكمن في الانتقال من مرحلة تعدد المبادرات إلى تكامل المنظومة الوطنية، مشيرًا إلى أن معظم التحديات التي تواجه الباحث مع الذكاء الاصطناعي ليست تحديات تقنية بقدر ما هي تحديات مؤسسية وتنظيمية وإستراتيجية، منها توفر البيانات الصحية عالية الجودة أحد أهم هذه التحديات.
رؤية مستقبلية لمجال البحث العلمي:
قدم الخبراء والباحثون مجموعة من التوصيات بهدف تعزيز منظومة البحث العلمي في المملكة منها بناء منصات بحثية وطنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتسهيل الوصول إلى البيانات وتحليلها، وتطوير سياسات أخلاقية موحدة تضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية، وتعزيز الشراكات بين الجامعات ومراكز التقنية لربط الأبحاث بالتطبيقات الصناعية، فضلًا عن توسيع برامج دعم الباحثين والباحثات عبر التدريب والتمويل والتمكين التقني، إضافة إلى تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في البحث والتطوير خاصة في مجالات الصحة والطاقة والاقتصاد الرقمي.
وحول ذلك، رأت وكيلة كلية الإعلام والاتصال أن المرحلة المقبلة ستتجه نحو نماذج بحثية وطنية توظف الذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات المجتمعية بشكل مباشر، قائلةً: "هذا ما نعمل عليه من خلال نماذج بحثية تستهدف توظيف الاتصال الذكي والذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار، وتحويل البيانات إلى حلول عملية ذات أثر اقتصادي واجتماعي مستدام، بما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي للابتكار والبحث والتطوير".
واستعرضت الشمري نماذج وطنية ناجحة في مجال الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي منها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، التي تقود الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وتدعم الأبحاث التطبيقية، وتطور حلولًا في مجالات الصحة، والحج، والخدمات الحكومية، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (KACST)، التي تموّل مشاريع بحثية في الذكاء الاصطناعي، وتحتضن مراكز أبحاث وحاضنات تقنية، وتسهم في نقل التقنية إلى الصناعة، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST)، التي تمتلك مراكز متقدمة في تعلم الآلة، والرؤية الحاسوبية، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي للعلوم والهندسة، وبرنامج تنمية القدرات البشرية وهيئة البحث والتطوير والابتكار، اللذين يدعمان بناء منظومة وطنية لتحويل مخرجات البحث إلى ابتكارات وشركات ناشئة، إضافة إلى المراكز البحثية في الجامعات السعودية، التي بدأت بتأسيس مختبرات ومبادرات للذكاء الاصطناعي في مجالات الإعلام، والتعليم، والصحة، واللغة العربية.
في حين طرح العسكر سؤالًا يرى أنه الأبرز حاليًا قائلًا: أعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات الأكاديمية والبحثية هو كيف نعيد إعداد الباحثين، ونطور أنظمة البحث العلمي، بحيث يفيد البحث والباحثون من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد العالم القيم الأساسية التي يقوم عليها البحث العلمي، وفي مقدمتها الأصالة، والنزاهة، والاستقلالية، والمسؤولية العلمية؟، مضيفًا: أن الإجابة عن هذا التساؤل هي التي ستحدد مستقبل البحث العلمي خلال العقد القادم، فمستقبل البحث العلمي لن تحدده سرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستحدده قدرة الباحثين والمؤسسات الأكاديمية على توظيف هذه التقنيات في إنتاج معرفة أصيلة، تحافظ على قيم البحث العلمي، وتخدم الإنسان والمجتمع.
وخلص إلى القول: المستقبل لن يكون للباحث الذي يسعى لمنافسة الذكاء الاصطناعي، ولا للباحث الذي سيعتمد على أدوات الذكاء بشكل كلي، وإنما للباحث الذي ينجح في بناء شراكة معرفية معه، بحيث يتولّى الذكاء الاصطناعي تنفيذ ما يجيده من مهام إجرائية، وتحليلية، بينما يحتفظ الباحث بدوره في الإبداع، والتفسير، والنقد، واتخاذ القرار العلمي، وأن هذه الشراكة، إذا أُحسن توظيفها، ستُسهم في رفع جودة البحث العلمي، وتسريع وتيرة الاكتشافات، وتوجيه الجهود البحثية نحو معالجة التحديات التنموية والإنسانية بصورة أكثر كفاءة.
التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي لا تعيد تشكيل أدوات البحث العلمي فحسب، بل تُعيد صياغة دوره ومكانته في بناء اقتصاد معرفي مستدام ومع توسع البنية الرقمية، وتنامي القدرات الوطنية، وتزايد الاستثمار في الابتكار، تتجه المملكة نحو مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكًا أساسيًا في إنتاج المعرفة، لا بديل عن الباحث، بل قوة مضاعفة لجهده وقدرته على اكتشاف ما وراء البيانات، وفي ظل المشهد تتأكد الحاجة إلى حوكمة رشيدة، وأخلاقيات واضحة، وتمكين مستمر، لضمان أن تبقى التقنية في خدمة الإنسان، وأن يبقى البحث العلمي ركيزة وطنية تقوده المستقبل بثقة ووعي ومسؤولية.
ومع تسارع التحول الرقمي تتكشف ملامح مرحلة جديدة يتداخل فيها الإنسان مع الخوارزمية ويتحول فيها البحث العلمي من جهد فردي إلى منظومة ذكية قادرة على اكتشاف وتحليل وتوقع وصناعة حلول تتجاوز المختبرات التقليدية، وهنا تواصل المملكة ترسيخ مكانتها كقوة معرفية صاعدة، مستندة إلى رؤية وطنية تؤمن بأن البحث العلمي والابتكار هما المحرك الرئيس لاقتصاد المستقبل.
وتبرز بيانات هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار حجم هذا التحول، إذ سجلت المملكة نموًا لافتًا في الإنفاق على البحث والتطوير بنسبة 21% ليصل 22.6 مليار ريال في عام 2023، وارتفع عدد الباحثين بدوام كامل بنسبة 48% خلال 3 سنوات ليصل العدد الإجمالي 0.56% ألف باحث بدوام كامل، كما حققت المملكة تقدمًا في مؤشر الابتكار العالمي لتصل إلى المرتبة 47 عالميًا، كما أن براءات الاختراع الممنوحة حققت زيادة قدرها 60% في عام 2024 مقارنة بالعام الذي سبقه.
وتحسّن ترتيب المملكة في مؤشر سياسات وثقافة ريادة الأعمال من المركز الـ11 إلى الـ5 عالميًا، كما استمر التقدم في المؤشرات العالمية في عام 2024 حيث احتلت المملكة المركز 47 من بين 133 دولة في مؤشر الابتكار العالمي والمركز 33 في مؤشر الملكية الفكرية العالمي.
وقفز عدد المعامل البحثية لأكثر من 1000 معمل بحثي في المملكة يتبع لـ 30 جامعة ومركزًا بحثيًا، لتحقيق التميز النوعي وتعزيز مكانتها الدولية في الأبحاث والابتكارات، مما يؤكد أهمية رفع جودة أداء المنظومة البحثية والابتكارية في ظل الدعم والتمكين الهادف حيث نُشر ما يزيد عن 55 ألف ورقة علمية ضمن الأولويات الوطنية الأربع للبحث والتطوير والابتكار التي تتضمن صحة الإنسان واستدامة البيئة والاحتياجات الأساسية والريادة في الطاقة والصناعة، واقتصاديات المستقبل، فيما نمت المخرجات الابتكارية بالشراكة مع القطاع الخاص بنسبة 96%، وفقًا لتقرير هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار.
ويؤكد تقرير الهيئة أن النشر البحثي حقق على مدى عام واحد زيادة مقدارها 84% في معدل النشر العلمي ضمن قائمة أفضل 1%، وزاد تأثير الاستشهادات العلمية بنسبة 30% مقارنة بدول مجموعة العشرين، كما أشارت الهيئة في تقريرها أن عدد الباحثين المسجلين في المملكة ضمن الأولويات الوطنية الأربع تجاوز الـ 36 ألف باحث وباحثة، وسُجلت لدى الرابطة الدولية لواحات العلوم ومناطق الابتكار خلال العام الماضي خمس مناطق ابتكار، ليصل مجموعها إلى 10 مناطق على مستوى المملكة وفُعلت 12 مكتبًا لنقل التقنية في الجامعات ومراكز الأبحاث السعودية.
ووفقًا لتقرير الهيئة، استفاد من المنح البحثية ما يزيد عن 2500 عالم، وانضمت 160 شركة ناشئة في مجتمع الشركات الناشئة بالمملكة، فيما حظي أكثر من 400 مشروع و80 معملًا بحثيًا بالدعم في برامج المنح بقيمة تتجاوز 800 مليون ريال.
هذه القفزات تعكس بيئة وطنية داعمة، وسياسات حكومية مُحفّزة، واستثمارات متنامية في المعرفة والتقنية، لتصبح المملكة مركزًا إقليميًا للبحث والابتكار وإيجاد الحلول المبتكرة والداعمة للمنظومة ولمعالجة التحديات الوطنية والعالمية.
وتؤدي الجامعات السعودية دورًا محوريًا في تعزيز منظومة البحث العلمي والابتكار، إذ أضحت مراكز إنتاج معرفي متقدمة تحتضن معامل بحثية حديثة، ومراكز تميز في الذكاء الاصطناعي، وبرامج دراسات عليا متخصصة في التقنيات المتقدمة.
وأسهمت هذه الجامعات في رفع جودة النشر العلمي، وتفعيل مكاتب نقل التقنية، وتوسيع الشراكات الدولية، مما يجعلها رافدًا أساسيًا في بناء اقتصاد معرفي تنافسي، وداعمًا رئيسًا للباحثين في مختلف التخصصات العلمية.
وفي هذا السياق التقت وكالة الأنباء السعودية العميد والمؤسس لأول كلية إعلام واتصال في المملكة عضو هيئة التدريس السابق بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبدالله الرفاعي، الذي أكد أن البحث العلمي يشهد نقلة نوعية بسبب دخول الذكاء الاصطناعي الذي وفّر الكثير من الجهد على الباحثين في مختلف التخصصات العلمية في ظل وجود خلاف حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، داعيًا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي كعامل مساعد للباحث لا بديل عنه، خاصة أنه ما زال في طور التقدم والتحسين ويتوجب متابعته والتدقيق في مخرجاته.
وأشار الدكتور الرفاعي، إلى أن قدرة الباحث في الحوار مع الذكاء الاصطناعي للاستفادة منه والوصول إلى منتج، يُمثل الباحث ولا يُمثل الذكاء الاصطناعي، الذي يأتي بمثابة وسيلة مساعدة على سرعة الإنجاز واكتشاف مناطق بحثية جديدة جدًا مع أهمية بروز شخصية الباحث مستخدم الذكاء الاصطناعي.
وقال: إننا في اتجاه يفرض فيه الذكاء الاصطناعي حضوره العلمي، وعلى الباحثين تقبّل ذلك، والسعي لما فيه مصلحة البحث العلمي، لافتًا النظر إلى أن الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية للقدرة البشرية، يستدعي أن يستقبله الباحث بترحيب وتقنين يساعده على الإعلان عن استخدامه لا محاربة استخدامه في مجال البحث العلمي، داعيًا الجهات البحثية المعنية لتكون أكثر انفتاحًا له، ووعي ومعرفة الباحثين حتى تكون الاستفادة هي ما يصب في خدمة البحث العلمي.
تحولات البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي:
يشهد البحث العلمي تحولًا جذريًا في منهجياته، حيث لم يعد الباحث يعتمد على الأدوات التقليدية، بل أصبح الذكاء لاصطناعي شريكًا رئيسًا في مختلف مراحل البحث، فقد تغيرت بنية البحث العلمي وأصبحت الخوارزميات قادرة على جمع البيانات الضخمة وتحليليها في وقت قياسي، مما يختصر مراحل البحث ويزيد دقته، كما أن هناك صعودًا للنماذج التنبؤية إذ باتت النماذج الذكية تتوقع النتائج قبل تنفيذ التجارب، ما يقلل التكلفة ويرفع كفاءة المختبرات، بالإضافة إلى تسارع دورة إنتاج المعرفة لتتقلص الفجوة الزمنية بين الفكرة والاكتشاف، ولتنتقل الأبحاث بسرعة إلى تطبيقات علمية، كما انتقل الباحث من مُنفّذ إلى موجّه، فلم يعد الباحث يقوم بالمهام الروتينية، بل أصبح يوجه الأنظمة الذكية ويقود عمليات التحليل المتقدمة.
وفي ظل رؤية السعودية 2030، يحظى البحث العلمي في المملكة اليوم بتمكين ذكي تقوده الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "سدايا"، في ظل جهودها لبناء منظومة وطنية متكاملة للبيانات والذكاء الاصطناعي، لتُسهم في دعم الباحثين وتمكين الجهات الأكاديمية والبحثية من الاستفادة من التقنيات الحديثة، وتعزيز الابتكار القائم على البيانات وبناء القدرات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي بما يرسخ اقتصادًا معرفيًا أكثر تنافسية واستدامة.
وفي هذا السياق، أكد رئيس مجلس إدارة لومينا سباير للبحوث والدراسات الدكتور عبدالله ناصر الحمود لوكالة الأنباء السعودية "واس"، أن الذكاء الاصطناعي غيّر الطريقة التي يصل بها الباحث إلى المادة العلمية ويتعامل معها، مستشهدًا باستخدامه في عدد من العلوم، قائلًا: في العلوم الاجتماعية، يستطيع الباحث استخدام أدوات تحليل اللغة لمعالجة آلاف الوثائق أو المقابلات أو المنشورات الرقمية، واستخراج الموضوعات المتكررة، وتصنيف المواقف، ورصد التحولات في الخطاب العام، وفي بحوث الإعلام، يمكن تحليل التغطيات الصحفية، والتفاعلات على المنصات، وأشكال انتشار المعلومات المضللة، وأنماط تقديم القضايا والأحداث.
ورأى الحمود أن جمع البيانات لم يعد مقتصرًا على الاستبانة والمقابلة والملاحظة المباشرة، حيث أضافت البيئة الرقمية مصادر واسعة، تشمل التعليقات العامة، وسجلات التفاعل، ومحركات البحث، والمنصات الاجتماعية، والأرشيفات الإعلامية، والمواد المصورة والمسموعة، وأجهزة الاستشعار، وصور الأقمار الاصطناعية، مؤكدًا أن هذه المصادر، تمنح الباحث قدرة على متابعة الظواهر في أثناء تشكّلها، بدلًا من دراستها بعد انتهائها فقط.
وقال الدكتور الحمود: في علم النفس، تساعد الأدوات الذكية في تنظيم المواد البحثية، وتحليل الإجابات المفتوحة، والتعرف على الأنماط اللغوية والسلوكية، وإعداد الدراسات التجريبية، وتحسين بعض مراحل الكتابة والتحليل، مضيفًا أنه في المجال الإعلامي، تستطيع النماذج تحليل تفاعل المستخدمين واقتراح الموضوعات التي يحتمل أن تجذب الاهتمام، أو تقدير سرعة انتشار معلومة، أو التعرف على الحسابات والأنماط المرتبطة بحملات التضليل، إلاّ أن هذه القدرات قد تستخدم أيضًا في توجيه المحتوى بصورة شديدة التخصيص، أو تضييق تنوع ما يصل إلى الجمهور، أو إعادة إنتاج تحيزات المنصات والبيانات.
وشدّد على أنه لا ينبغي النظر إلى التنبؤ بوصفه معرفة مؤكدة بالمستقبل، فالنموذج يكتشف علاقات مبنية على بيانات سابقة، لكنه قد لا يفهم الأسباب التاريخية والثقافية والنفسية التي صنعتها، وقد يتغير السلوك البشري نتيجة أحداث لم تظهر في بيانات التدريب، أو نتيجة اختلاف المجتمع واللغة والسياق.
وحول الدراسات البيئية، أوضح الدكتور الحمود أن الخوارزميات تتيح دمج صور الأقمار الاصطناعية ببيانات المناخ والتربة والمياه وأجهزة الرصد، ويمكن استخدامها لمتابعة إزالة الغابات، وتغير استخدامات الأراضي، وانتشار التلوث، وحرائق الغطاء النباتي، وتسربات الغازات، وغيرها من الظواهر التي يصعب رصدها ميدانيًا بصورة متواصلة، الأمر الذي أدى إلى تسارع دورة إنتاج المعرفة، فالعمليات التي كانت تحتاج إلى أسابيع من البحث والفرز والترميز يمكن إنجاز أجزاء منها خلال ساعات، كما يمكن للباحث الوصول بسرعة إلى مجموعة واسعة من الدراسات، وتلخيص اتجاهاتها، واقتراح تصنيفات أولية للبيانات، وإنتاج تصورات ورسوم تساعد في فهم النتائج، في حين أن هذه السرعة تحمل خطرًا مقابلًا، فسهولة إنتاج النصوص والتحليلات قد تؤدي إلى أبحاث متشابهة، أو استنتاجات سريعة، أو اعتماد مخرجات لم تُراجع بما يكفي، وقد يكتفي الباحث بإجابة منطقية تولّدها الأداة دون العودة إلى الدراسة الأصلية أو التأكد من سلامة المرجع والبيانات.
وشدّد على تغيّر دور الباحث من منفّذ لجميع العمليات إلى موجّه لها، فلم يعد مطالبًا بالقيام يدويًا بكل خطوة، لكنه يصبح أكثر مسؤولية عن اختيار السؤال والمنهج والبيانات والأداة، وعن فحص النتائج وتفسيرها وربطها بالسياق، وفي العلوم الاجتماعية تحديدًا، لا يكفي أن ينجح النموذج في تصنيف النص أو توقّع السلوك؛ إذ ينبغي للباحث أن يسأل عن معنى هذا التصنيف، وعن الفئات التي لم تظهر في البيانات، وعن أثر اللغة والثقافة والسياق السياسي والاجتماعي في النتيجة، وكلما ازدادت قدرة التقنية على التنفيذ، ازدادت الحاجة إلى الحكم البشري والنقد المنهجي.
أدوات الذكاء الاصطناعي في المختبرات:
تُسهم التقنيات الحديثة في رفع جودة الأبحاث وتسريع نتائجها، ومن أبرز الأدوات المستخدمة الروبوتات المخبرية المؤتمتة وهي تنفذ التجارب بدقة عالية وتقلل الأخطاء البشرية، وتساعد في تحليل الصور الطبية والبيولوجية من خلال تقنيات التعلّم العميق لكشف الخلايا السرطانية أو التشوهات الجنينية بدقة تفوق العين البشرية، ومن ذلك المحاكاة الحاسوبية المتقدمة التي تتيح اختبار الفرضيات في بيئات افتراضية قبل تنفيذها على أرض الواقع، كذلك منصات اكتشاف الأدوية بالذكاء الاصطناعي التي تختصر سنوات من البحث عبر تحليل ملايين المركبات الكيميائية في دقائق.
وفي هذا الشأن، أوضح خبير التخطيط وإدارة الأداء في المجال الطبي الدكتور فهد بن أحمد الفيفي لـ"واس" أن المملكة حققت خلال السنوات الماضية تقدمًا مهمًا في بناء البيئة التي يمكن أن ينطلق منها استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الصحية، وإن كان من المهم التمييز بين التحول الرقمي في الخدمات الصحية وبين الاستخدام البحثي المتقدم للذكاء الاصطناعي، فما تحقق حتى الآن يتمثّل بدرجة أساسية في بناء الممكنات الوطنية: البنية الرقمية، وتكامل البيانات، والمنصات الصحية، والأطر التنظيمية، والقدرات المؤسسية؛ وهي جميعًا شروط أساسية لا يمكن أن تتطور الأبحاث الصحية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي من دونها.
وقال: على المستوى الوطني، أطلقت المملكة الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي لتطوير منظومة متكاملة تشمل البيانات، والقدرات البشرية، والبحث والابتكار، وتبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات ذات الأولوية، كما تتولى الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي قيادة وتنفيذ مشروعات بحثية وطنية، ودعم منظومة البحث والابتكار في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، وهو ما يوفر أساسًا مؤسسيًا يمكن توجيهه بصورة أوسع نحو الأبحاث الصحية وتحليل البيانات الطبية، مستشهدًا بإعلان الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في فبراير 2026 عن إطلاق مركز التميز للذكاء الاصطناعي في الصحة، بهدف دعم برنامج تحول القطاع الصحي وتطوير حلول قائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من انتقال الاهتمام بالذكاء الاصطناعي من مبادرات عامة ومتفرقة إلى بناء قدرة مؤسسية متخصصة في القطاع الصحي، بما يمكن أن يدعم مستقبلاً تطوير النماذج التنبؤية، وتحليل الصور الطبية، ودراسة الأنماط المرضية، واستخدام البيانات في توجيه الأولويات البحثية.
وأضاف: أسهم التحول الرقمي الصحي في تكوين قاعدة واسعة من البيانات والخدمات الإلكترونية، فقد أعلنت وزارة الصحة أن مستشفى صحة الافتراضي نفّذ خلال عام 2025 أكثر من 16 مليون موعد واستشارة طبية افتراضية، وهو رقم يعكس حجم التوسع في إنتاج البيانات الصحية الرقمية وتقديم الرعاية عن بُعد، ورغم أن هذه البيانات أُنشئت أساسًا لخدمة المرضى، فإنها تمثّل عند تنظيمها وإخفاء هوية أصحابها وإتاحتها وفق الأطر الأخلاقية والنظامية، مصدرًا مهمًا للأبحاث المتعلقة بأنماط استخدام الخدمات، والطلب الصحي، وفعالية التدخلات، والفوارق الجغرافية في الوصول إلى الرعاية".
الذكاء الاصطناعي في النشر العلمي:
أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في منظومة النشر العلمي عالميًا حيث حسّن مراجعة الأقران من خلال أدوات التحقق الآلي التي تكشف الأخطاء المنهجية والبيانات غير المتسقة، وكشف الانتحال العلمي عبر خوارزميات متقدمة تقارن النصوص بملايين الأبحاث المنشورة، وتحسن جودة الكتابة الأكاديمية من خلال منصات التحرير الذكية التي تساعد الباحثين على صياغة نصوص دقيقة وواضحة، كما ظهرت مؤخرًا مجلات جديدة تعتمد على الخوارزميات وتستخدم الذكاء الاصطناعي في تقييم الأبحاث وتسريع النشر.
حول ذلك رأى الدكتور عبدالله ناصر الحمود، أن الذكاء الاصطناعي لم يقتصر على إعداد البحوث، بل امتد إلى منظومة النشر العلمي، فأصبحت الأدوات تستخدم في الفحص الأوّلي للبحوث، واكتشاف التشابهات النصية، وفحص المراجع، وتحليل الصور والجداول، واقتراح المحكمين، ومتابعة إجراءات المراجعة، وفي البحوث الاجتماعية والإعلامية، يمكن لهذه الأدوات أن تنبّه الباحث إلى نقص في أجزاء المنهج، أو إلى مراجع غير مكتملة، أو إلى تشابه كبير مع مواد منشورة، كما يمكن أن تساعد في التعرف على دراسات تستخدم نصوصًا مصطنعة، أو مراجع لا وجود لها، أو بيانات وجداول غير متسقة.
وأشار إلى أن الرابطة الدولية لناشري العلوم والتقنية والطب تدير مركزًا للنزاهة البحثية يتيح للناشرين فحص المخطوطات ورصد مؤشرات ترتبط بالأبحاث المصطنعة أو ما يعرف بمصانع الأوراق العلمية، مستشهدًا ببيانات الرابطة المنشورة في سبتمبر 2025، حيث كان أكثر من 35 ناشرًا يستخدمون المركز لفحص ما يزيد على 125 ألف بحث شهريًا، مع اعتراض نحو ألف بحث مشتبه في ارتباطه بمصانع الأوراق كل شهر، وهذه الأرقام تخص الناشرين المشاركين في المركز، ولا تمثل مجموع البحوث عالميًا.
ورأى الحمود أن الأدوات تساعد على تحسين اللغة، وتنظيم الفقرات، واختصار النصوص، وترجمة المواد، وتوضيح بعض الأفكار، وتفيد هذه الإمكانات الباحثين الذين يكتبون بلغة غير لغتهم الأولى، كما تقلل الوقت الذي تستغرقه عمليات التحرير الأولية، لكن تحسين الصياغة يختلف عن تفويض النظام في إنتاج الحقائق أو المراجع أو النتائج، وقد تنتج النماذج مراجع تبدو صحيحة من حيث شكلها، لكنها غير موجودة، أو تنسب معلومة إلى مصدر لا يتضمنها، ولهذا لا يجوز اعتماد أي اقتباس أو رقم أو مرجع قبل الرجوع إلى مصدره الأصلي.
ونوّه بأن سياسة مجلات الجمعية الأمريكية لعلم النفس الباحثين تُلزم بالإفصاح عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي في توليد الأفكار أو المحتوى أو التحليل أو الشفرات أو مكونات البحث، مع بقاء المسؤولية عن العمل على المؤلف البشري (APA)، وحول ما يوصف بظهور مجلات معتمدة على الخوارزميات، قال الحمود "الأدق فهمه بوصفه توسعًا في أتمتة مراحل النشر، لا انتقالًا كاملًا للقرار العلمي إلى الآلة، فالخوارزميات تدير استقبال البحوث، والفحص الأولي، واختيار المحكمين، ومتابعة التعديلات، واقتراح المواد للقراء، بينما ينبغي أن يظل قرار القبول أو الرفض مسؤولية تحريرية بشرية".
حوكمة وأخلاقيات البحث العلمي:
مع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي تبرز قضايا أخلاقية تتطلب تنظيمًا دقيقًا منها ملكية البيانات وضرورة تحديد حقوق استخدام البيانات الضخمة التي تجمع من المشاركين، فضلًا عن التحيز الخوارزمي فقد تنتج الخوارزميات قرارات غير عادلة إذا لم تُدرب على بيانات متنوعة، إضافة إلى أن مسؤولية النتائج أصبحت مسؤولية في حد ذاتها فمن يتحمل الأخطاء الناتجة عن النماذج الذكية، وفوق كل ذلك حماية خصوصية المشاركين وأهمية تطوير بروتوكولات تضمن سرية البيانات الحساسة.
وفي المقابل، يفرض هذا التطور مسؤوليات متزايدة لضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في البحث العلمي بما يحافظ على النزاهة الأكاديمية ويعزز موثوقية النتائج ويحمي الخصوصية والملكية الفكرية ويضمن الشفافية وقابلية التحقق من المخرجات العلمية، ومن هنا تبرز أهمية الأطر التنظيمية والحوكمة وبناء القدرات البشرية جنبًا إلى جنب مع التطور التقني، لضمان أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة لخدمة الإنسان وتعزيز التنمية المستدامة.
وفي هذا الجانب، رأى الدكتور الحمود أن حوكمة الذكاء الاصطناعي لم تعد جانبًا تنظيميًا لاحقًا للبحث، بل أصبحت شرطًا من شروط سلامته، طارحًا مجموعة من الأسئلة الأخلاقية التي تبدأ قبل التحليل منها: من أين جاءت البيانات؟ وهل وافق أصحابها على هذا الاستخدام؟ وهل تعد المنشورات العامة على المنصات متاحة تلقائيًا للبحث؟ وهل يجوز جمعها وربطها ببيانات أخرى؟ وتظهر قضية ملكية البيانات بوضوح في بحوث الإعلام والرأي العام.
ولفت الحمود الانتباه إلى أن المخاطر في علم النفس أكبر عندما تتضمن البيانات معلومات عن المشاعر، أو السلوك، أو الحالات النفسية، أو التجارب الشخصية، ولا يجوز إدخال هذه المواد في أنظمة لا تضمن السرية أو لا توضح أين تخزن البيانات وكيف تستخدم، أما التحيز الخوارزمي، فينشأ عندما تعكس بيانات التدريب فئة محددة أكثر من غيرها، وقد يفشل نموذج لتحليل المشاعر، مستشهدًا بفهم اللهجات أو السخرية أو التعبيرات المحلية، فتصنفها الخوارزمية على نحو خاطئ، وقد يتعامل نموذج طور في بيئة ثقافية معينة مع سلوك إنساني بوصفه طبيعيًا أو منحرفًا استنادًا إلى معايير لا تنطبق على مجتمع آخر، بينما في البحوث الإعلامية، تعطي النماذج وزنًا أكبر للمحتوى الأكثر انتشارًا أو للأصوات الأعلى تفاعلًا، فتقدمها باعتبارها ممثلة للرأي العام، رغم أن فئات واسعة من المجتمع لا تستخدم المنصات نفسها أو لا تعبر عن آرائها علنًا.
وأشار إلى أن مسؤولية النتائج تظل على الباحث والمؤسسة، فلا يمكن اعتبار الخوارزمية طرفًا يتحمل الخطأ، لأنها لا تختار بنفسها الغرض من الدراسة أو المجتمع أو المتغيرات أو مستوى الاعتماد على النتائج، فالإنسان هو الذي قرر استخدامها، وقبل مخرجاتها، وبنى عليها استنتاجاته، وتتطلب الحوكمة توثيق اسم النظام المستخدم وإصداره، والغرض من استخدامه، ونوع البيانات التي أدخلت إليه، وطريقة مراجعة مخرجاته، وهذا مهم لأن الأدوات تتغير سريعًا، وقد ينتج الإصدار اللاحق نتائج مختلفة حتى عند استخدام التعليمات نفسها، داعيًا إلى حماية المشاركين عن طريق تقليل البيانات إلى الحد الضروري، وإخفاء الهوية، وتشفير الملفات، وضبط صلاحيات الوصول، وعدم إدخال المعلومات الحساسة في المنصات العامة، وفي بعض الدراسات، يجب تحديث الموافقة المستنيرة لتوضح أن البيانات ستخضع لتحليل آلي أو ستنقل إلى بيئة سحابية.
المرأة والذكاء الاصطناعي في البحث العلمي:
تؤدي المرأة السعودية دورًا محوريًا في قيادة التحول المعرفي منها تمثيل المرأة في مجالات (STEM) وتزايد حضور الباحثات في الجامعات والمراكز البحثية، كذلك دور الباحثات في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتصدرها نماذج وطنية تقود مشاريع في الصحة والطاقة والبيانات الضخمة، ورغم التحديات تتيح التقنيات الحديثة فرصًا واسعة لقيادة المشاريع البحثية المستقبلية.
وأسهمت مشاركة المرأة في رفع جودة الإنتاجات البحثية حيث أتاحت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار العديد من الفرص والدعم والتمكين للباحثات النساء ضمن الأولويات الوطنية تعزيزًا لدورهن في تحقيق التقدم العلمي والمعرفي لتُسهم تلك الممكنات إلى جانب التكامل بين مختلف الجهات الحكومية في ارتفاع مشاركة الباحثات من 19.3 % إلى 30.3% بزيادة قدرها 57% خلال الأعوام القليلة الماضية.
من جهتها عدت وكيلة كلية الإعلام والاتصال بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتورة نوير الشمري لـ"واس"، الذكاء الاصطناعي بمثابة فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الباحث والمجتمع من منظور الاتصال العلمي، من خلال تبسيط المعرفة العلمية، وتحسين الوصول إليها، وتوسيع أثرها عبر المنصات الرقمية، بما يُسهم في تعزيز الثقة بالبحث العلمي وتحويله إلى قوة داعمة للتنمية وصنع السياسات.
وفيما يتعلق بتمكين المرأة، أكدت الشمري، أن الذكاء الاصطناعي أتاح فرصًا غير مسبوقة لتوسيع مشاركتها في المنظومة البحثية، من خلال إتاحة أدوات متقدمة للتحليل والتجريب والتعاون الدولي، مما يعزز حضور الباحثات في المشاريع العلمية متعددة التخصصات، ويدعم إنتاج المعرفة والابتكار على المستويين المحلي والعالمي، وأنه رغم هذه الفرص، فإن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي يظل ضرورة ملحة، من خلال وضع أطر أخلاقية واضحة تضمن الشفافية، وحماية الملكية الفكرية، والحد من التحيز الخوارزمي، والمحافظة على النزاهة العلمية، بحيث يبقى الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للباحث لا بديلًا عن التفكير النقدي والإبداع العلمي.
بدورها، أكدت أستاذ صحافة الذكاء الاصطناعي الدكتورة لمياء بنت حمدان العنزي لوكالة الأنباء السعودية، أن الخوارزميات اليوم ليست مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت شريكًا معرفيًّا لا يمكن الاستغناء عنه في هذه المرحلة التي تشهد تنافس غير مسبوق بين الأمم للفوز بالريادة العلمية، ولا يمكن إغفال دورها في عملية الاكتشاف العلمي فهي قادرة على تحليل ملايين المتغيرات، وتوليد فرضيات جديدة، والتنبؤ بنتائج التجارب قبل تنفيذها، وفي سياق صحافة الذكاء الاصطناعي، تسهم الخوارزميات في تعزيز دقة المحتوى العلمي المنشور، عبر توفير نماذج تحليلية تساعد على تفسير البيانات المعقدة وتقديمها للجمهور بأسلوب موثوق.
وقالت: إن الذكاء الاصطناعي عادل مع الجميع ويقف على بعد نقطة واحدة من الرجل والمرأة الصغير والكبير، يخدم من يستطيع استخدامه وتوظيفه، ومع ذلك يمكنني القول إن الذكاء الاصطناعي أسهم في تمكين الباحثات في مجالات الإعلام والبحث العلمي عبر توفير أدوات تحليل متقدمة تقلل العبء التقني، وتتيح الوصول إلى قواعد بيانات واسعة، وتمكّن من إنتاج محتوى علمي عالي الجودة كما عزز حضور المرأة في مجالات التقنية المتقدمة، وفتح أمامها فرصًا أكبر لقيادة مشاريع بحثية وصحفية تعتمد على البيانات والابتكار.
وأضافت العنزي: أن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي يتطلب توظيفه في التحليل والدعم دون الاعتماد عليه في إنتاج المحتوى العلمي الأصلي، ويجب على الباحث توثيق مصادر البيانات، والتحقق من صحة المخرجات، والالتزام بسياسات النزاهة الأكاديمية، لافتة النظر إلى أنه في مجال صحافة الذكاء الاصطناعي، يصبح التحقق الرقمي ضرورة لضمان عدم نشر محتوى مولّد دون مراجعة بشرية دقيقة ولا بد من وجود مرجعيات حاكمه يستند إليها الباحث والمحكم حتى تكون الممارسة العلمية والاعلامية في إطار قانوني.
وشددت على وجود مسؤولية تقع على عاتق المؤسسات البحثية، وهي مسؤولية بناء ثقافة بحثية واعية عبر تطوير سياسات واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتوفير منصات آمنة، وإطلاق برامج تدريبية متخصصة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، داعية إلى أن تعمل المؤسسات على تعزيز مهارات التحقق الرقمي لدى الطلبة، بما يضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الحديثة في البيئات الأكاديمية والإعلامية، ومنوهة بأن هناك مفاهيم خاطئة تحتاج إلى تصحيح، منها الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قادر على استبدال الباحث أو الصحفي بالكامل، أو أنه ينتج معرفة دقيقة دون تدخل بشري هذه التصورات تحتاج إلى تصحيح مستمر لضمان الاستخدام السليم للتقنيات، وتعزيز فهم الطلبة لدور الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة وليست بديل عن التفكير العلمي والتحقق الصحفي.
حلول وطنية لمنظومة البحث والابتكار:
أطلقت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار برامج المنح البحثية في عام 2025م بهدف تطوير قطاع البحث والتطوير والابتكار، وتمكين الباحثين والمبتكرين من تطوير أبحاث وابتكارات رائدة تحقق مستهدفات الأولويات الوطنيّة، وتعزّز ريادة المملكة في القطاع، وتندرج المنح البحثية ضمن أربعة برامج رئيسة تتمثل في البرنامج السعودي للعلوم الأساسية، والبرنامج السعودي للأبحاث التطبيقية والتقنية، والبرنامج السعودي للباحث الناشئ، وبرنامج الأبحاث الريادية، وتغطي هذه البرامج جميع مراحل البحث والتطوير والابتكار ضمن الأولويات الوطنية: صحة الإنسان، والبيئة المستدامة والاحتياجات الأساسية، والريادة في الطاقة والصناعة، واقتصاديات المستقبل، وتستهدف الهيئة في إطلاق هذه البرامج الباحثين والمبتكرين وأعضاء هيئة التدريس والمُتخصصين في الجامعات السعودية ومراكز البحوث الوطنية وكراسي البحث العلمي ضمن القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، ويشمل ذلك أصحاب المُنشآت التقنية الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال.
وفي سياق متصل، أطلقت الهيئة "إطار مناطق الابتكار" الذي يُمثل خارطة طريق شاملة تهدف إلى توحيد معايير تصميم وإدارة تشغيل مناطق الابتكار في المملكة بما يضمن تحولها من أصول عقارية تقليدية إلى منظومة حيوية ومتكاملة تعزز التنافسية العالمية للمملكة، وذلك في سياق غير مسبوق يشهده قطاع البحث والتطوير والابتكار لمعالجة تباين مستويات النضج في المناطق الحالية عبر تقديم مرجع معياري موحد ينقل التركيز من إدارة الممتلكات والمرافق إلى بناء المجتمعات المعرفية تحت شعار "نصنع المكان موطنًا للفرص".
من جانب آخر، أعلنت هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، تأسيس "التجمع الوطني للحوسبة الكمية" بهدف تمكين بنية مستقبلية قائمة على مبادئ الكم وما تتيحه من إمكانات لإطلاق حلول مبتكرة تعالج التحديات الوطنية والدولية في ضوء الأولويات الوطنية لقطاع البحث والتطوير والابتكار.
وحول ذلك، رأى الدكتور الفيفي، أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الأبحاث الصحية لم يعد مقتصرًا على تسريع العمليات الحسابية أو تحليل كميات أكبر من البيانات، بل امتد ليغير المنهجية العلمية التي تُبنى عليها الأبحاث منذ لحظة طرح السؤال البحثي وحتى تحويل النتائج إلى سياسات صحية وتطبيقات عملية، فخلال السنوات الأخيرة انتقل الباحث من الاعتماد على أدوات تحليل تقليدية إلى منظومة قادرة على معالجة ملايين السجلات الطبية، وتحليل الصور الطبية، وربط البيانات السريرية بالبيانات الجينومية والدوائية والبيئية، واكتشاف أنماط يصعب الوصول إليها بالأساليب التقليدية.
وتابع قائلًا: لقد أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم تُستخدم في مراجعة الأدبيات العلمية بصورة أكثر كفاءة، واستخراج الفجوات البحثية، وتحليل قواعد البيانات الضخمة، وبناء النماذج التنبؤية، وتحديد عوامل الخطورة للأمراض، بل والمساعدة على تصميم الدراسات وتحليل نتائجها، وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الذكاء الاصطناعي يُمثّل أحد أهم الممكنات لتطوير الأنظمة الصحية وتحسين جودة القرارات المبنية على الأدلة، شريطة الالتزام بأطر الحوكمة والشفافية وحماية البيانات.
وأوضح الفيفي أن التحول القادم لن يكون في استخدام الذكاء الاصطناعي لإجراء الأبحاث فحسب، بل في إعادة تعريف مفهوم الباحث نفسه، فالباحث في المستقبل لن يقضي الجزء الأكبر من وقته في جمع البيانات أو مراجعة آلاف الدراسات يدويًا، وإنما في تفسير النتائج، وصياغة الفرضيات الجديدة، وتقييم الأثر، واتخاذ القرارات العلمية، وسيصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا معرفيًا يزيد إنتاجية الباحث، ولا يلغي دوره، ولذلك فإن التنافس بين الدول لن يكون على امتلاك أفضل خوارزمية، وإنما على بناء منظومة وطنية تجمع بين البيانات عالية الجودة، والكفاءات البشرية، والتشريعات المرنة، والبنية الرقمية، والقدرة على تحويل نتائج الأبحاث إلى سياسات ومنتجات وخدمات صحية تحقق أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملموسًا.
واختتم الفيفي حديثه لـ"واس" بقوله: إن المملكة تمتلك اليوم فرصة تاريخية لتكون من الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال، ليس فقط لأنها استثمرت في التحول الرقمي الصحي، بل لأنها تبني منظومة وطنية متكاملة للبيانات والذكاء الاصطناعي والابتكار، مؤكدًا أنها إذا نجحت في ربط هذه المنظومة بالأولويات البحثية الوطنية، فإن الأبحاث الصحية ستتحول خلال السنوات القادمة من نشاط أكاديمي تقليدي إلى محرك رئيس للاقتصاد المعرفي، وداعم مباشر لصناعة القرار الصحي، ومصدر للابتكار والاستثمار والتنمية المستدامة.
البيانات الضخمة كمحرك للبحث العلمي:
أصبحت البيانات الوقود الأساسي للاكتشافات العلمية وبمثابة مصادر البيانات الجديدة وأجهزة الاستشعار ومنها السجلات الصحية والمنصات الرقمية، بل أضحت البيانات أداة التكامل لقواعد البيانات العالمية، إذ تتيح للباحثين الوصول إلى ملايين الدراسات في لحظة واحدة، نظرًا للدور الكبير للحوسبة السحابية في توفيرها للباحث معالجة هائلة لتسريع التجارب والمحاكاة وإجراء الدراسات بيسر وسهولة في أقل وقت ممكن.
ويُمثل عام 2026، الذي سُمي في المملكة "عام الذكاء الاصطناعي" فرصة مهمة لتسريع تبنّي هذه التقنيات في منظومة البحث والتطوير والابتكار، وتعزيز التكامل بين الجهات الحكومية والجامعات والمراكز البحثية والقطاع الخاص، بما يُسهم في تحويل المملكة إلى مركز عالمي للابتكار والبحث العلمي القائم على البيانات والذكاء الاصطناعي، ويعزز إسهامها في تحويل إنتاج المعرفة وصناعة الحلول للتحديات العالمية.
وفي هذا السياق، عدّ الدكتور عبدالله الحمود، البيانات الضخمة، المحرك الرئيس للتحول الجاري في العلوم الاجتماعية والإعلام والبيئة، فهي لا تعني مجرد وجود ملفات كثيرة، بل وجود بيانات متنوعة وسريعة التدفق، تتطلب أدوات حسابية قادرة على تخزينها وربطها وتحليلها، مفيدًا أنه في علم النفس والعلوم الاجتماعية، تسمح البيانات الرقمية بدراسة السلوك في بيئته اليومية بدلًا من الاقتصار على إجابات المشاركين داخل المختبر، كما يمكن رصد أنماط التواصل، وتغيّر اللغة، والإيقاع الزمني للتفاعل، والعلاقة بين الأحداث العامة وتعبيرات الجمهور، معيبًا على هذا الاتساع إثارته لمشكلة التمثيل، فمستخدمو منصة معينة لا يمثلون المجتمع كله، والحسابات الأكثر نشاطًا لا تمثل بالضرورة الأغلبية، والتفاعل الرقمي لا يكشف دائمًا عن الدافع الحقيقي أو الموقف المستقر، مطالبًا - في الوقت ذاته - بعدم استبدال العينات العلمية ببيانات المنصات من دون تقدير انحيازها وحدودها.
ورأى الحمود أنه في مجال البيئة، تمثّل صور الأقمار الاصطناعية وأجهزة الرصد وشبكات الطقس والمياه والهواء مصادر مستمرة للبيانات، وتساعد الخوارزميات في اكتشاف التغيرات ومقارنتها زمنيًا ومكانيًا، ودعم الإنذار المبكر، وتحديد المناطق الأكثر حاجة إلى تدخل، مشددًا على أن التكامل بين قواعد البيانات العالمية يتيح الجمع بين مصادر جغرافية واجتماعية وإعلامية وبيئية، وهو ما يفتح الباب أمام دراسات متعددة التخصصات.
مستقبل الباحث البشري:
يتجه المستقبل نحو نموذج "الباحث الهجين" الذي يدمج بين العمل التقليدي والخوارزمي، إذ يؤكد الخبراء والباحثون أن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الباحث بل سيعزز دوره، في ظل ما يمتلكه من مهارات تشمل تحليل البيانات، والإشراف على الأنظمة الذكية، والتفكير النقدي، وهذا الباحث سيقود منظومة معرفية تعتمد على الإنسان والآلة معًا.
ويؤكد ما نشهده اليوم، أن الذكاء الاصطناعي لن يكون بديلًا عن الباحث البشري، بل شريكًا إستراتيجيًا يعزز قدراته ويمنحه أدوات أكثر كفاءة لإنجاز أعماله، فالآلة تستطيع معالجة ملايين البيانات واكتشاف العلاقات بينها في وقت قياسي، إلا أن صياغة الأسئلة العلمية، وتحديد أولويات البحث، وفهم الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، وتقييم النتائج، واتخاذ القرار العلمي، ستظل مسؤوليات يقودها العقل البشري بما يمتلكه من خبرة وإبداع وحس نقدي.
وحول مستقبل الباحث البشري، أكد الحمود أن الاتجاهات الحالية لا تشير إلى اختفاء الباحث البشري، بل إلى إعادة توزيع مهامه فالآلة ستتولى قدرًا أكبر من البحث الأولي والفرز والتصنيف والتلخيص والحساب، بينما تزداد قيمة المهارات المتعلقة بصياغة الأسئلة، وفهم السياق، وتفسير النتائج، والحكم الأخلاقي.
واستشهد الحمود بمجال العلوم الاجتماعية، إذ لا يستطيع الذكاء الاصطناعي وحده تحديد ما إذا كانت الظاهرة مهمة اجتماعيًا، أو ما إذا كان تصنيف معين يحمل تحيزًا ثقافيًا، أو ما إذا كانت العلاقة الإحصائية تعكس سببًا حقيقيًا، كما لا يستطيع تحمل المسؤولية عن الأثر الذي قد يترتب على نشر نتيجة تخص فئة اجتماعية أو نفسية، بينما في الإعلام، يمكن للأداة أن تلخص وثائق أو تقترح عنوانًا أو تحلل مجموعة بيانات، لكنها لا تعوّض مهارة الصحفي في بناء العلاقات مع المصادر، وفهم المصلحة العامة، وتقييم الضرر المحتمل، ومواجهة السلطة، والتحقق الميداني، وإدراك دلالات الصمت والسياق.
ونوه بأهمية مفهوم "الباحث الهجين" الذي يمتلك معرفة عميقة بتخصصه، ويستطيع في الوقت نفسه التعامل مع البيانات والأدوات الذكية، وفهم حدودها، واختبار مخرجاتها، وشرح طريقة استخدامها، مضيفًا: أنه لا تعني هذه المهارة أن يتحوّل كل باحث إلى مبرمج، بل أن يعرف كيف تُنتج النتيجة، وما نوع البيانات التي تقوم عليها، وكيف يمكن قياس الخطأ والتحيز، ومتى تكون الأداة مناسبة، ومتى يصبح استخدامها عبئًا منهجيًا، مشددًا على أن الباحث الهجين يحتاج إلى ثقافة في البيانات، وإلمام بمبادئ الخوارزميات، وقدرة على التحقق من المصادر والمراجع، وفهم للخصوصية والأمن، ومهارات في التفسير والنقد، إضافة إلى معرفة الفرق بين استخدام الأداة للاستكشاف وبين اعتماد مخرجاتها دليلًا علميًا.
وتابع حديثه مع "واس" قائلًا: "لا يتمثّل مستقبل البحث في استبدال المناهج التقليدية بالخوارزميات، بل في التكامل بينها، فقد يكتشف التحليل الآلي اتجاهًا داخل ملايين النصوص، ثم يختبره الباحث من خلال عيّنة مدروسة ومقابلات متعمقة وتحليل للسياق"، مشيرًا إلى أن المؤسسات الأكثر تقدمًا لن تكون بالضرورة التي تستخدم أكبر عدد من النماذج، بل التي تعرف متى تستخدمها، وكيف تدرب باحثوها عليها، وكيف تحمي البيانات، وتوثق الإجراءات، وتتيح مراجعة القرارات.
الاقتصاد المعرفي والابتكار:
تُسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في دعم اقتصاد الابتكار عبر رفع كفاءة الإنتاج الصناعي، وتعزيز تنافسية الشركات الناشئة حيث حققت المملكة المركز السادس عالميًا في تمويلها، ودعم الجامعات السعودية في التحول المعرفي عبر مراكز بحثية متقدمة، بالإضافة إلى فتح فرص استثمارية في البحث العلمي المؤتمت.
في هذا السياق، قال وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية للبحث العلمي، والمشرف على كراسي البحث سابقًا الدكتور فهد بن عبدالعزيز العسكر، لـ"واس": "لقد اعتاد الباحثون فيما مضى على تخصيص جزء كبير من جهودهم للقيام بالمهام البحثية الإجرائية؛ ولعل هذا التطور أتاح للباحثين فرصة التركيز بشكل أكبر على جوهر البحث العلمي، المتمثّل في بناء الأفكار البحثية، وصياغة الأسئلة، وبناء الفروض، وتفسير النتائج، وربطها بسياقاتها العلمية والاجتماعية".
وأضاف: أن القيمة العلمية للباحثين في المستقبل لن تقاس بمدى قدرتهم على الوصول إلى المعلومات، لأن هذه القدرة أصبحت متاحة للجميع، وإن كانت بدرجات متفاوتة، وإنما ستقاس بمدى قدرتهم على تصميم الدراسات التي تعالج المشكلات الحقيقية، وبمدى قدرتهم على تحويل البيانات إلى معارف جديدة ذات قيمة علمية، مهنية ومجتمعية، فالمعلومات أصبحت متاحة بشكل غير مسبوق، أما إنتاج المعرفة فما زال ضمن مسؤوليات الأفراد.
وتوقّع العسكر أن تتوسّع الدراسات القائمة على تحليل البيانات الضخمة، وأن يزداد الاعتماد على النماذج التنبؤية والمحاكاة، من خلال قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته على تحليل قواعد البيانات الضخمة، والكشف عن العلاقات والأنماط التي يصعب ملاحظتها بالأساليب التقليدية، واقتراح الفرضيات، وبناء النماذج التنبؤية الأكثر دقة، مؤكدًا أن آثار ذلك بدأت تظهر في عدد من المجالات، لا سيما: الطب، والعلوم الحيوية، والهندسة، حيث أصبحت الخوارزميات أدوات فاعلة في دعم القرار البحثي، وليست مجرد وسائل لمعالجة البيانات.
وتابع العسكر: أن هذا التحول يطرح في الوقت نفسه تحديات علمية وأخلاقية لا تقل أهمية عن الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، فالاعتماد غير المنضبط على أدوات الذكاء قد يؤدي إلى تراجع مهارات التفكير النقدي لدى بعض الباحثين، كما أن هذه الأدوات قد تُنتج معلومات أو مراجع غير دقيقة، نتيجة ما يُعرف بظاهرة هلوسة الذكاء الاصطناعي، يضاف إلى ذلك ما يتعلق بقضايا التحيز الخوارزمي، واختراق خصوصية البيانات، وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وحدود المسؤولية البشرية عن المحتوى الذي يتم إنتاجه بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
من جانب آخر رأى العسكر أن التحدي الأكبر الذي سيواجه المؤسسات البحثية في العالم خلال الأعوام القادمة لا يتمثل في توفير أدوات الذكاء الاصطناعي للباحثين، وإنما في بناء حوكمة تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، وتضع معايير واضحة للإفصاح عن استخدامها، وآليات للتحقق من جودة المخرجات العلمية، بما يحافظ على النزاهة الأكاديمية، ويعزز الثقة في نتائج البحوث.
وأشار إلى أن أبرز التحولات التي ستفرض نفسها خلال السنوات المقبلة، ضرورة إعادة النظر في معايير تقويم الباحثين والإنتاج العلمي، خاصة أن الأوساط البحثية والأكاديمية اعتادت لعقود طويلة على قياس كفاءة الباحثين بعدد بحوثهم المنشورة، أو بمعدل الرجوع لهذه الأبحاث والاستشهاد بها، إلا أن هذه المؤشرات ستفقد جزءًا من قيمتها مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت قادرة على اختصار كثير من الوقت والجهد.
وتوقع العسكر أن تتجه الجامعات، والمراكز البحثية، والجهات المانحة، وأنظمة الترقيات الأكاديمية، وسياسات النشر العلمي، ومعايير التمويل البحثي إلى التركيز بصورة أكبر على أصالة الأفكار البحثية، وجودة تصاميم الدراسات، ومدى قدرة الأبحاث على تقديم إسهامات علمية حقيقية، وآثار مجتمعية مستدامة، بدلاً من الاقتصار على المؤشرات الكمية التقليدية، كما توقع أن يتغير مفهوم الباحث المتميز، ففي المستقبل قد لا يكون الباحث الأفضل هو الأكثر قدرة على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فحسب، وإنما الأكثر قدرة على اكتشاف حدود هذه الأدوات، وتوجيهها لتحقيق غاياته البحثية، والتحقق من مخرجاتها، واستثمارها في معالجة القضايا العلمية ذات الأولوية للمجتمع، مؤكدًا أن الإبداع العلمي، والتفكير النقدي سيقتصر على الباحثين المتميزين دون غيرهم.
وأشار إلى تغيرات في معايير تقويم الباحثين مرشحة، كما أن طبيعة البحوث نفسها مرشحة أيضًا للتحول إذ من المرجح وفقًا للعسكر أن يُسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز البحوث متعددة التخصصات، نظرًا لقدرته على الربط بين كميات هائلة من المعارف المتنوعة، الأمر الذي سيساعد على معالجة القضايا المتداخلة، التي يصعب قصر تناولها على تخصص واحد، مثل قضايا الاستدامة، والتغير المناخي، والتحول الرقمي وغيرها من القضايا التي تتطلب تكاملًا بين العلوم التطبيقية، والإنسانية والاجتماعية.
التحديات المستقبلية:
رغم التقدم، تواجه منظومة البحث العلمي تحيات تتطلب معالجة منها فجوة المهارات بين الباحثين والتقنيات الحديثة، والاعتماد المفرط على الخوارزميات، ومخاطر التزييف العلمي باستخدام الذكاء الاصطناعي، فضلًا عن الحاجة إلى تشريعات جديدة تنظم استخدام البيانات والأنظمة الذكية.
في هذا السياق، أشار الدكتور الفيفي إلى جملة التحديات التي تواجه البحث العلمي ومنها أن البيانات المجزأة بين المؤسسات تقلل من القيمة العلمية والاقتصادية للأبحاث، حتى وإن كانت كميات البيانات كبيرة، بالإضافة إلى تحدي الحوكمة وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وتنمية الكفاءات متعددة التخصصات، كذلك التمويل المستدام للأبحاث ذات الأولوية الوطنية، مشددًا على أن الفرصة الحقيقية تكمن في الانتقال من مرحلة تعدد المبادرات إلى تكامل المنظومة الوطنية، مشيرًا إلى أن معظم التحديات التي تواجه الباحث مع الذكاء الاصطناعي ليست تحديات تقنية بقدر ما هي تحديات مؤسسية وتنظيمية وإستراتيجية، منها توفر البيانات الصحية عالية الجودة أحد أهم هذه التحديات.
رؤية مستقبلية لمجال البحث العلمي:
قدم الخبراء والباحثون مجموعة من التوصيات بهدف تعزيز منظومة البحث العلمي في المملكة منها بناء منصات بحثية وطنية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتسهيل الوصول إلى البيانات وتحليلها، وتطوير سياسات أخلاقية موحدة تضمن الاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية، وتعزيز الشراكات بين الجامعات ومراكز التقنية لربط الأبحاث بالتطبيقات الصناعية، فضلًا عن توسيع برامج دعم الباحثين والباحثات عبر التدريب والتمويل والتمكين التقني، إضافة إلى تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في البحث والتطوير خاصة في مجالات الصحة والطاقة والاقتصاد الرقمي.
وحول ذلك، رأت وكيلة كلية الإعلام والاتصال أن المرحلة المقبلة ستتجه نحو نماذج بحثية وطنية توظف الذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات المجتمعية بشكل مباشر، قائلةً: "هذا ما نعمل عليه من خلال نماذج بحثية تستهدف توظيف الاتصال الذكي والذكاء الاصطناعي في دعم اتخاذ القرار، وتحويل البيانات إلى حلول عملية ذات أثر اقتصادي واجتماعي مستدام، بما يعزز مكانة المملكة كمركز عالمي للابتكار والبحث والتطوير".
واستعرضت الشمري نماذج وطنية ناجحة في مجال الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي منها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، التي تقود الإستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، وتدعم الأبحاث التطبيقية، وتطور حلولًا في مجالات الصحة، والحج، والخدمات الحكومية، ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (KACST)، التي تموّل مشاريع بحثية في الذكاء الاصطناعي، وتحتضن مراكز أبحاث وحاضنات تقنية، وتسهم في نقل التقنية إلى الصناعة، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (KAUST)، التي تمتلك مراكز متقدمة في تعلم الآلة، والرؤية الحاسوبية، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي للعلوم والهندسة، وبرنامج تنمية القدرات البشرية وهيئة البحث والتطوير والابتكار، اللذين يدعمان بناء منظومة وطنية لتحويل مخرجات البحث إلى ابتكارات وشركات ناشئة، إضافة إلى المراكز البحثية في الجامعات السعودية، التي بدأت بتأسيس مختبرات ومبادرات للذكاء الاصطناعي في مجالات الإعلام، والتعليم، والصحة، واللغة العربية.
في حين طرح العسكر سؤالًا يرى أنه الأبرز حاليًا قائلًا: أعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات الأكاديمية والبحثية هو كيف نعيد إعداد الباحثين، ونطور أنظمة البحث العلمي، بحيث يفيد البحث والباحثون من إمكانات الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد العالم القيم الأساسية التي يقوم عليها البحث العلمي، وفي مقدمتها الأصالة، والنزاهة، والاستقلالية، والمسؤولية العلمية؟، مضيفًا: أن الإجابة عن هذا التساؤل هي التي ستحدد مستقبل البحث العلمي خلال العقد القادم، فمستقبل البحث العلمي لن تحدده سرعة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستحدده قدرة الباحثين والمؤسسات الأكاديمية على توظيف هذه التقنيات في إنتاج معرفة أصيلة، تحافظ على قيم البحث العلمي، وتخدم الإنسان والمجتمع.
وخلص إلى القول: المستقبل لن يكون للباحث الذي يسعى لمنافسة الذكاء الاصطناعي، ولا للباحث الذي سيعتمد على أدوات الذكاء بشكل كلي، وإنما للباحث الذي ينجح في بناء شراكة معرفية معه، بحيث يتولّى الذكاء الاصطناعي تنفيذ ما يجيده من مهام إجرائية، وتحليلية، بينما يحتفظ الباحث بدوره في الإبداع، والتفسير، والنقد، واتخاذ القرار العلمي، وأن هذه الشراكة، إذا أُحسن توظيفها، ستُسهم في رفع جودة البحث العلمي، وتسريع وتيرة الاكتشافات، وتوجيه الجهود البحثية نحو معالجة التحديات التنموية والإنسانية بصورة أكثر كفاءة.
التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي لا تعيد تشكيل أدوات البحث العلمي فحسب، بل تُعيد صياغة دوره ومكانته في بناء اقتصاد معرفي مستدام ومع توسع البنية الرقمية، وتنامي القدرات الوطنية، وتزايد الاستثمار في الابتكار، تتجه المملكة نحو مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكًا أساسيًا في إنتاج المعرفة، لا بديل عن الباحث، بل قوة مضاعفة لجهده وقدرته على اكتشاف ما وراء البيانات، وفي ظل المشهد تتأكد الحاجة إلى حوكمة رشيدة، وأخلاقيات واضحة، وتمكين مستمر، لضمان أن تبقى التقنية في خدمة الإنسان، وأن يبقى البحث العلمي ركيزة وطنية تقوده المستقبل بثقة ووعي ومسؤولية.


