وعن ما يتميَّز به –غفر الله له- من قِيمٍ، وأخلاقيَّات، ومناقبَ، وثراءٍ في العطاءات، تحدَّث لـ(المدينة) نُخبةٌ من المثقَّفين والأُدباء والإعلاميِّين، ومقدِّمِينَ خالصَ تعازيهم لأُسرة الفقيد، ولمعالِي أمينِ منطقة المدينة المنوَّرة، الرئيس التنفيذي لهيئة تطوير المنطقة، المهندس فهد بن محمد البليهشي.
أكَّد معالي الدكتور عبدالعزيز بن قبلان السراني، رئيس جامعة طيبة -سابقًا-، أنَّ الرَّاحل البليهشي -رحمه الله- تبوَّأ منزلةً رفيعةً على مسرح العلم والأدب، حيث كان منذُ صغرهِ شغوفًا بالبحث والاطِّلاع، وصنع بالتَّصميم والوعي لنفسه نسخةً منفردةً، وجعل الكتابَ جليسه الدَّائم، ومُؤنسه في أروقة المكتبات، والمعارض الثقافيَّة.
وأضاف «السراني»: إنَّ الرَّاحل امتلك حصيلةً علميَّةً واسعةً جعلته يتصدَّر العناوين التاريخيَّة والأدبيَّة، وغَدَا موسوعةً شاملةً، وأحدَ رموز السَّاحة الثقافيَّة وفرسانها المؤثِّرِين.
وعلى المستوى الإنسانيِّ، تميَّز الفقيدُ بصدقهِ ووفائهِ وأمانتهِ، وساهم في تربية أجيال متعاقبة، بفضل ما جسَّده من قيمٍ عاليةٍ، وأبوُّةٍ حانيةٍ.
وَفِيٌّ للرُّموز
أمَّا الدكتور سمير المغامسي، رئيس مجلس إدارة الجمعيَّات الأهليَّة بمنطقة المدينة المنوَّرة، فقال: كان للأستاذ البليهشي -رحمه الله- عطاءٌ كبيرٌ في التَّعليم والتَّاريخ والعمل الاجتماعيِّ؛ إذ تميَّز بوفائِهِ للرُّموز، والتَّعريف بمآثرِهم، وامتلك شغفًا استثنائيًّا بتوثيق التاريخ والموروث، جمع فيه بين الرواية، والوثيقة، والمشاهدة، بأسلوبٍ دقيقٍ، ولُغةٍ أدبيَّةٍ رصينةٍ.
وأشار «المغامسي» إلى مسيرة الرَّاحل التعليميَّة الحافلة بالإخلاص، والحكمة في بناء الأجيال معلِّمًا وقائدًا لمدارس المدينة، مؤكِّدًا أنَّه اتَّصف إنسانيًّا بالتَّواضعِ، وكريمِ الخُلقِ، وحِفظِ الودِّ، وبذلِ المعروفِ.
مشرقُ الرُّوح
وقال الدكتور فهد بن مبارك الوهبي: تعرَّفتُ على الأستاذ محمد صالح البليهشي -أوَّل مرَّة- وهُو مديرٌ لثانويَّة عبدالعزيز الربيع، حين التحقتُ بالثَّانوية قبل أنْ يترجَّل عن إدارتها بأيَّام قليلة، كانَ -يرحمُهُ اللهُ- قائدًا تربويًّا فريدًا، يجمعُ بين الحكمة، والحنكة، ورُوح الأبوًّة، وكان إداريًّا مُخلصًا، ترك أثرًا لا يُمحَى في نفوس طلابه وزملائه.
وأضاف «الوهبي» إنَّه عرفَ الرَّاحل -أيضًا- أديبًا، ومؤرِّخًا وفيًّا للمدينة المنوَّرة، يحملُ ذاكرتها في قلبه، حيث وثَّق تاريخ ثانويَّة طيبة، ومسيرة أستاذه الأديب عبدالعزيز الربيع، بقلم المُحبِّ والمُمارس، الذي يربط الفكر بالتجربة، وعمق العبارة.
وأشار إلى أنَّ الفقيدَ كانَ راويًا أمينًا وموثوقًا للتاريخ الشفهيِّ المعاصر للمدينة بذاكرةٍ يقظةٍ، وعطاؤه امتدَّ للصَّحافة بإدارتهِ لمكتبَي صحيفتَي «المدينة»، و»الندوة»، إلى جانب عضويَّته في نادي المدينة الأدبيِّ.
واختتم «الوهبي» بالإضاءةِ على الجانب الإنسانيِّ المميَّز للرَّاحل، حيث تميَّز بقربهِ من النفوس، وعفويَّته التي ترفع الحواجز، وحرصه الاجتماعيِّ ووفائِهِ؛ إذ ظلَّ مشرقَ الرُّوح، حاضرَ البشاشةِ رغم تقدُّم السِّن، مؤمنًا بأنَّ الإنسان يبقى بما يتركه من أثرٍ طيِّبٍ ومحبَّةٍ في القلوب.
المؤلِّفُ النِّحريرُ
أمَّا الأستاذُ عبدالغني بن ناجي القش، نائب رئيس مجلس إدارة جمعيَّة اقتفاء أثر للمعالم التاريخيَّة، فقد ذكرَ بأنَّ المملكة بوفاةِ الأستاذ البليهشي فََقََدَتْ واحدًا من أبنائِها البَرَرة، المشهود لهم بالإنتاجِ الفكريِّ والرَّصيد التأليفيِّ في شتَّى المجالات، حيث أثرى المكتبة العربيَّة بالمؤلَّفات التي ستظلُّ شاهدةً له.
وأضاف: عرفتُه منذ عدَّة عقود في النادي الأدبيِّ في المدينة المنوَّرة، حيث أمضى فيه سنواتٍ كثيرةً من عمرِهِ، كان نتائجُها كتبًا تمثِّل كنوزًا تاريخيَّة وأدبيَّة تزدان بها رفوفُ المكتبات، كما رافقتُه في عدَّة رحلات ضمن أنشطة جمعيَّة اقتفاء أثر للمعالم التاريخيَّة، فهو أحدُ مؤسِّسيها الفُضلاء وأعضائِهَا النُّبلاء، وفي كلِّ رحلة يستقي مرافقُوه منه المعلومة الجديدة، وينهلُون من علمهِ الغزير، ومعرفتهِ الواسعة، وكان بمثابة الأب التربويِِّ، حيث عمل معلِّمًا ومديرًا لعددٍ من المدارس، والأخ الكبير المربِّي بخبراتهِ المتعدِّدة، والمؤلِّف النِّحرير، والباحث التاريخيِّ المتميِّز، والزَّميل القدير، والموجِّه في المجال الإعلاميِّ.
رصدُ المعالم
من جانبه، عبَّر الأديبُ والمؤرِّخُ عبدالرحمن بن سليمان النزاوي، عن عمق الفَقْدِ برحيل الأستاذ محمد بن صالح البليهشي، واصفًا وفاته بأنَّها وداعٌ لقلمٍ بمحبرةٍ وطنيَّةٍ، تشرَّبت الولاءَ والوفاءَ، وتعطَّر قلب صاحبِها بالسِّيرة النبويَّة المُطهَّرة وبشغفهِ بطيبة الطَّيبة.
وأضاف «النزاوي»: إنَّ الفقيدَ وهب حياته لرصدِ معالم وتاريخ المدينة، ومحافظاتها، والتَّعريف برموزها وشيوخها، متصدِّرًا بصوتهِ وقلمهِ الحِراكَ التربويَّ والثقافيَّ والاجتماعيَّ والتاريخيَّ، وحتَّى الرياضيَّ.
واختتم النزاوي أمنيته بدعوةِ المؤسَّسات الثقافيَّة لحفظِ مسيرة الرَّاحل وسيرته في كتابٍ متخصِّص؛ ليكون مرجعًا مُلهمًا تستفيد منه أجيالُ الحاضر والمستقبل.
ذاكرةُ المدينة
أمَّا الكاتبُ الصحفيُّ دخيل بن سليمان المحمدي فقال: رحلَ أستاذُنا وأديبُنا محمد بن صالح البليهشي، وبقيت المدينةُ حاضرةً في صفحات كتبهِ وذاكرتهِ، رحلَ المؤرِّخُ الذي حمل ذاكرة المدينة، ووثَّق تاريخهَا ورجالاتِها بحبِّ المؤرِّخِ، ووفاءِ ابن المكان، فقد كانَ يستقطبُ ذاكرتها، ويُعيدُ تقديم واستعراض تاريخهَا للأجيال، مسخِّرًا قلمه؛ ليكون جسرًا بين ماضي المدينة وحاضرها؛ ليحمل حكاياتِ الأمس إلى ذاكرة الأجيال.
لقد رحلَ -رحمه الله- تاركًا خلفَه إرثًا أدبيًّا وتاريخيًّا سيظلُّ شاهدًا على وفائه للمدينة وأهلها.
م. فهد البليهشي: الشكر والامتنان لقيادتنا الرشيدة
قال معالي أمين منطقة المدينة المنوَّرة، الرئيسُ التنفيذيُّ لهيئة تطوير المنطقة، المهندس فهد بن محمد البليهشي: «باسمي، ونيابةً عن عائلتِي، أتقدَّمُ بخالص الشُّكر وعظيمَ الامتنانِ لمقام مولاي خادمِ الحَرمَين الشَّريفين، ولسموِّ سيِّدي وليِّ العهدِ -حفظهما الله- على مواساتهما الكريمة، في وفاة والدِنا محمد صالح البليهشي -رحمه الله-، والتي كان لها بالغُ الأثرِ في نفوسِنا، وخفَّفت عنَّا شيئًا من ألمٍ الفَقْدِ».
كما أتقدَّمُ بالشُّكر لسموِّ وزير الداخليَّة، وسموِّ أمير منطقة المدينة المنوَّرة وسموِّ نائبه -أيدهم الله- ولأصحابِ السموِّ والمعالي والسَّعادة، ولأهالِي المدينة ومحبِّي والدنا -رحمَهُ اللهُ-، الذين غمرُونَا بصدقِ مشاعرهم، ولكلِّ مَن أحاطنا بوفائِهِ، حضورًا، أو اتصالً،ا أو كتابةً، أو دعاءً.
جزاكُم اللهُ عنَّا خيرَ الجزاءِ، وكتبَ أجرَكُم، وحفظَ لكُم أحبَّتكم، وتغمَّد والدنَا بواسع رحمتهِ ومغفرتهِ.


