ليس من الحِكمة أنْ يهبَ الإنسانُ نفسَه كلَّها للنَّاس، ولا أنْ يكون حاضرًا في كلِّ حين، ولا أنْ يظلَّ قابلًا للتوقُّع على الدَّوام. فبعض ما فينا لا يكتملُ إلَّا إذا بقي مصونًا، وبعض الخصوصيَّة ليس انغلاقًا، بل حفظ للنَّفس من التبدُّد.
أحبَّ النَّاسَ، ولكنْ لا تثقلهم بتوقُّعاتك؛ فهم بشرٌ محدودُون، تتفاوت نواياهم وقدراتهم. وليست الحكمةُ في خفضِ قيمةِ الآخرِين، بل في فَهمِ حدودهم، ومعاملتهم دونَ إفراطٍ في الرَّجاء، ولا إسرافٍ في الخيبة.
لذلك ليست الحدود قسوةً، بل وجهٌ من وجوه الوعي، فهي ما يحفظ الإنسانُ من تآكله التدريجيِّ باسم المجاملة، أو حُسن النيَّة، أو فرطِ العطاء. لا تسكن إلى الوعود، ولا تجعل حتَّى القسَم ضمانًا مطلقًا. خُذ بالأسباب، وخفِّض سقف توقُّعاتك ما استطعت، واجعل لنفسِك مخرجًا عند الضِّيق، وخطةً بديلةً عند الخيبة، وكُن مستعدًا للابتعاد عمَّن يؤذيك دون تردُّد.
والوقت هو الحقيقة التي لا تساوم، فهو لا يمرُّ فقط، بل يبدِّل المَعاني، ويعيد ترتيب الرَّغبات، ويكشف هشاشة ما كان يبدو ثابتًا. وما يظنُّه الإنسانُ ضرورةً قاطعةً في لحظةٍ ما، قد يراهُ بعد أعوامٍ عبئًا لا حاجةَ له. لذلك قد يكون الإفراطُ في التَّخطيط لحياةٍ بعيدةٍ على حساب الحاضر ضربًا مِن سوء التَّدبير؛ لأنَّ الإنسانَ نفسه يتغيَّر، وما يطلبه في الشباب قد لا يشبه ما يتمنَّاه في الكهولة.
والزَّمن لا يسرقُ الأشياءَ فقط، بل يبدِّلنا نحن أيضًا، حتى نصبحَ غرباءَ عن بعض ما تمنيناه ذات يوم. وهو لا يكشف لنا عجز الآخرِين فحسب، بل يُظهر لنا تغيُّرنا العميق؛ فما نعده اليومَ جوهرًا قد يصبح غدًا هامشًا، وما نحسبه حبًًا دائمًا قد يغدو ذكرى عابِرة. فالنُّضج ليس في التشبُّث بِما كان، بل في القدرةِ على الاعترافِ بأنَّ الذاتَ تتحرَّك، وأنَّ الإنسان كائنٌ يعبر من حالٍ إلى حال.
وفي نهايةِ المطاف، لا يعلِِّمنا الزَّمنُ كثرة المَطالب، بل قلَّتها؛ إذ تميل النَّفسُ، مع الخبرة، إلى البساطة، وإلى طلب الستر والعافيةِ والطمأنينة، بدل تضخُّم الأماني. وهنا ينتقل الوعيُ من مطاردة اللَّذة إلى فَهم الفناء، ومن سِباق الرَّغبات إلى حكمة الاكتِفاء.


