لم يعد حضور المملكة في المحافل الدوليَّة مقتصرًا على ثقلها الدينيِّ، أو السياسيِّ، أو الاقتصاديِّ فقط، بل أصبحنا نشهدُ حضورًا متزايدًا للكفاءات السعوديَّة في مواقع القيادة، والتأثير، وصناعة القرار الدوليِّ.
ومن هذا المنطلق، استقبلتُ باعتزاز إعلان المملكة ترشيح الدكتورة حنان حسن بلخي لمنصب المدير العام لمنظَّمة الصحَّة العالميَّة للدورة الجديدة، وهو أحد أهم المناصب الصحيَّة الدوليَّة، وأرفع منصب تنفيذيٍّ وفنيٍّ في منظَّمة الصحَّة العالميَّة، وهذا الترشيح -في تقديري- ليس تكريمًا لشخصيَّة سعوديَّة متميِّزة فحسب، وإنَّما يعكس ما وصلت إليه مكانة المملكة في بناء الكفاءات الوطنيَّة، وقدرتها على المنافسة على قيادة المنظَّمات الدوليَّة الكُبْرى، ولنا مثال الدكتورة ثريا أحمد عبيد، التي تولَّت منصب مساعدة أمين عام الأمم المتحدة لعدَّة سنوات.
والدكتورة حنان بلخي، لم تصل إلى هذه المرحلة من فراغٍ، فهي طبيبةٌ سعوديَّةٌ متخصِّصةُ في طب الأطفال والأمراض المُعدية، ومكافحة العدوى ومقاومة مضادات الميكروبات، وجمعت في مسيرتها بين الممارسة الطبيَّة، والبحث العلميِّ، والعمل الأكاديميِّ، والإدارة الصحيَّة، والقيادة الدوليَّة، درست الطبَّ في جامعة الملك عبدالعزيز بجدَّة، ثمَّ استكملت تدريبها وتخصصها في الولايات المتحدة، قبل أنْ تعود إلى وطنها وتعمل في عددٍ من المؤسَّسات الصحيَّة والأكاديميَّة والبحثيَّة، ومن أبرز محطَّات مسيرتها عملها في الشؤون الصحيَّة بوزارة الحرس الوطنيِّ، ومركز الملك عبدالله العالميِّ للأبحاث الطبيَّة، وقيادتها برامج متخصِّصة في مكافحة العدوى ومقاومة المضادات الحيويَّة.
وفي عام 2019 انتقلت خبرتها إلى المستوى الدوليِّ بانضمامها إلى المقر الرئيس لمنظَّمة الصحَّة العالميَّة في جنيف، حيث تولَّت منصب مساعد المدير العام لشؤون مقاومة مضادات الميكروبات، أحد أخطر التحدِّيات الصحيَّة التي تواجه العالم، وفي عام 2023 حققت إنجازًا سعوديًّا وعربيًّا جديدًا عندما اختارتها الدول الأعضاء لقيادة المكتب الإقليميِّ لمنظمة الصحَّة العالميَّة لشرق المتوسط، والتي سبق وأنْ تولَّى قيادة المكتب بتميُّز -آنذاك- وزير الصحَّة الأسبق معالي الدكتور حسين الجزائري، مثَّل المملكة فيه، وقد بدأت الدكتورة بلخي مهامَّها في فبراير 2024 كأوَّل امرأةٍ تتولَّى قيادة هذا الإقليم.
ومَن يعرف طبيعة إقليم شرق المتوسط، يدرك حجم المسؤوليَّة، فهو يواجه تحدِّيات صحيَّة وإنسانيَّة شديدة التعقيد، من الحروب، والنزوح، والأزمات الإنسانيَّة، إلى الأمراض المُعدية، وضعف النُّظم الصحيَّة في بعض دوله، وهذه التجربة منحت الدكتورة حنان خبرةً مباشرةً في إدارة ملفَّات تتجاوز الجانب الطبي، إلى أبعاد إنسانيَّة وسياسيَّة وتنمويَّة متعدِّدة.
واليوم تنتقل إلى مرحلة جديدة، بعد إعلان المملكة رسميًّا ترشيحها لمنصب المدير العام لمنظَّمة الصحَّة العالميَّة، وهي منافسة دوليَّة لا تحسمها السِّيرة الذاتيَّة وحدها، مهما كانت قوَّتها، بل تحتاج إلى ثقة الدُّول الأعضاء في شخصها، وعلمها، وخبرتها، والدَّولة التي تنتمي لها، وتتطلَّب بناء تحالفات واسعة حول رُؤية واضحة لمستقبل الصحَّة العالميَّة.
ومن هنا، فإنَّني أرى أنَّ ترشيح الدكتورة حنان بلخي يستحقُّ موقفًا عربيًّا وإسلاميًّا وآسيويًّا وإفريقيًّا موحَّدًا، على أنْ يتَّفقُوا منذ وقت مبكِّر على دعم مرشَّحٍ واحدٍ، ويحافظُوا على هذا التَّوافق حتَّى المحطة الأخيرة من المنافسة، ولدينا تجربة تستحقُّ أنْ نتعلَّم منها، فعندما ترشَّح الدكتور غازي القصيبي عام 1999 لمنصب المدير العام لمنظَّمة اليونسكو، حظي ترشيحه في البداية بإجماع المجموعة العربيَّة، ودعم جامعة الدول العربيَّة، إلَّا أنَّ المنافسة شهدت -لاحقًا- وجود أكثر من مرشَّحٍ عربيٍّ بارز، وهو ما يؤكِّد أهميَّة الحفاظ على وحدة الموقف، وعدم تشتيت الأصوات في مثل هذه الاستحقاقات الدوليَّة.
واليوم أتمنَّى أنْ تتوحَّد الدول العربيَّة خلف الدكتورة حنان، وأنْ تنظر إلى فوزها -إنْ تحقَّق- باعتباره إنجازًا عربيًّا إلى جانب كونه إنجازًا سعوديًّا؛ فوصول كفاءة عربيَّة إلى قيادة منظَّمة الصحَّة العالميَّة؛ سيعزِّز حضور المنطقة في صناعة القرار الصحيِّ الدوليِّ، ويؤكِّد أنَّ عالمنا العربيَّ يمتلكُ من الخبرات والقيادات ما يؤهِّله لتولِّي أعلى المناصب الدوليَّة، وذلك من خبرتي الطويلة في أكبر منظَّمة عالميَّة (منظمة العمل الدوليَّة). واليوم أتمنَّى أنْ تتوحَّد الدول المعنيَّة خلف مرشَّح السعوديَّة نيابةً عنهم، كما أتمنَّى أنْ نسخِّر كل علاقاتنا السياسيَّة والاقتصاديَّة ومصالحنا المشتركة مع بقيَّة دول العالم، وعلى وجه الخصوص أوروبا وأمريكا، على أنْ نعتبر أنَّ هذا إنجازًا عربيًّا إسلاميًّا آسيويًّا إفريقيًّا وسعوديًّا بوصول كفاءة ممثِّلة لهذه الأقاليم، سيعزِّز حضور المنطقة في صناعة القرار الصحيِّ الدوليِّ، ويؤكَّد أنَّ عالمنا العربيَّ يمتلك الخبرات والقيادات التي تؤهِّله للوصول إلى المنافسة الدوليَّة.
وإذا كان بعض المرشَّحين المنافسين بمرتبة وزراء، فإنَّه ليس من الصَّعب تمكينها لتجاوز هذا الشرط.
كل التوفيق للدكتورة حنان حسن بلخي، ابنة أستاذ الاقتصاد وأستاذ جيلي في السبعينيَّات بجامعة الملك عبدالعزيز، وكل الأمل أنْ نراها في أغسطس 2027 تتسلَّم قيادة منظمة الصحة العالمية؛ لتضيف للمرأة العربية والسعودية صفحة جديدة إلى سجل حضور المملكة في العالم.


