Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.منى يوسف حمدان

العقل المفكر والذكاء الاصطناعي وعمارة الأرض

A A
مع كلِّ إشراقةٍ لعام دراسيٍّ جديد، لا تتجدَّد فقط مواعيد قرع أجراس المدارس، ولا حركة الطُّرقات صبيحة كل يوم، بل تتجدَّد معها الأسئلة الكُبرى حول ماهيَّة التعليم، ودوره المحوري في صناعة المستقبل.
إنَّ البداية الجادَّة للعام الدراسيِّ ليست مجرَّد شعار تنظيميٍّ؛ للتأكيد على الانضباط والالتزام بالجدول المدرسيِّ، بل هو ممارسة وطنيَّة واعية، تعكس إدراكنا الجماعي بأنَّ الاستثمار في العقول هو الرَّافد الأوَّل والأهم لعمارة الأرض وبناء الوطن.
إنَّ الرسالة السامية للعلم تتجاوز حدود الصفوف الدراسية والاختبارات الدورية؛ لنصل إلى مداها الحضاريِّ الرحب؛ فالأمم لا تُبنى نهضتها ولا تحمي مقدراتها إلَّا بعقول متعلمة، تدرك أنَّ المعرفة مسؤولية وأمانة. ومن هنا، فإنَّ التأسيس لبداية قوية ومحفِّزة في مجتمعاتنا التعليميَّة هو الخطوة الأولى لنقل أبنائنا من مرحلة (استهلاك المعرفة) إلى مرحلة (إنتاجها وتوظيفها) في خدمة تطلُّعاتنا الوطنيَّة الشاملة التي ترعاها قيادتنا الرَّشيدة.
ويتضاعف زخمُ هذا العام الدراسيِّ باقترانه بحدث إستراتيجيٍّ فارق، وهو الاحتفاء بعام الذكاء الاصطناعي 2026، التوجيه الذي يترجم طموحات المملكة العربيَّة السعوديَّة في ترسيخ موقعها كمركز عالميٍّ للابتكار والتكنولوجيا المتقدِّمة. هذا التزامن يضع المنظومة التعليميَّة أمام استحقاق تاريخيٍّ: كيف نصوغ مخرجًا تعليميًّا يمتلك أدوات المستقبل دون أنْ يفقد أصالته؟ إنّ إدخال التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي ليس مجرَّد إضافة أدوات رقميَّة إلى الفصول، بل هو تحوُّل جذريٌّ في فلسفة التعلم، تحوُّل ينقل التركيز من التلقين والحفظ، إلى التحليل والابتكار، والتفكير الناقد.
ولعل هذا ما دافعتُ عنه مليًّا في كتابي (الدماغ المفكِّر: دليل معلمة الطفولة المبكِّرة لتعليم التفكير الناقد في ضوء أبحاث الدماغ والذكاء الاصطناعيِّ)؛ حيث تبرز الحاجة الماسَّة للربط بين مكتشفات علم الأعصاب الحديثة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدءًا من الطفولة المبكِّرة، حيث تكون المرونة العصبيَّة للدماغ في أعلى درجات الاستجابة. وحين نستوعب كيف يتعلَّم الدِّماغ بشريًّا، وندمج ذلك مع إمكانات الذكاء الاصطناعيِّ، نتمكَّن من تدريب أبنائنا منذ نعومة أظفارهم على مهارات التَّساؤل والتَّحليل والحلِّ الخلَّاق للمشكلات؛ لنضمن نشوء جيل جديد يتعامل مع التكنولوجيا بوعيٍ وصانع لها، لا مجرَّد مستهلك منفعل.
وفي قلب هذه التحوُّلات الهيكليَّة، تبرز الاختبارات الوطنيَّة (نافس) كمحكٍّ حقيقيٍّ وأداةِ قياسٍ إستراتيجيَّة ضمن خطة وطنيَّة عملاقة تستهدفُ رفع جودة المخرجات التعليميَّة. إنَّ التَّشخيص الدقيق لمستوى أبنائنا في المهارات الأساسيَّة -وعلى رأسها اللُّغة العربيَّة والرياضيَّات- ليس مجرَّد إجراء تقويميٍّ، بل هو رهانٌ على بناء عقول متمكِّنة تمتلك لغةً قويَّةً قادرةً على التعبير والتفكير، ومعرفة رياضيَّة وعلميَّة صلبة تمكِّنها من التنافسيَّة العالميَّة. وهنا يأتي الدور المفصليُّ لوعي أولياء الأمور بأهميَّة هذه الاختبارات؛ فالوعي الأسريُّ بحقيقة أنَّ (نافس) تقيس الأداء الفعلي، وتوجِّه خطط التَّحسين الوطنيَّة، يمثل الجسر المحوري لنقل التجربة التعليميَّة من خانة (التَّحصيل المرحلي) إلى خانة (التمكين الإستراتيجيِّ) لبناء مخرجٍ تعليميٍّ يعدُّ لمستقبل مشرقٍ يليق بالطموح الوطنيِّ.
إنَّ هذه الرُّؤية الفكريَّة والتربويَّة لا يمكن أنْ تكتمل أركانها داخل أسوار المدرسة وحدها، فالأسرة هي الشريكُ الأصيل، والركيزةُ الأولى في هذه المعادلة الوطنيَّة. إنَّ التكامل الواعي بين البيت والمدرسة هو المحرِّك الحقيقي لتحقيق الأهداف العُليا لوزارة التَّعليم المنبثقة من رُؤية المملكة 2030. فعندما تتناغم البيئة الأسرية مع البيئة المدرسيَّة في تعزيز قيم الجديَّة، وشغف المعرفة، وتعميق الوعي بالأدوات الوطنيَّة للتقويم، وحسن استغلال التقنية، نضمن إعداد مواطن منافس عالميًّا، متمسك بقيمه، وقادر على قيادة اقتصاد المعرفة.
* خاتمة: إنَّنا اليوم، ونحن نلجُ عتبة عام دراسيٍّ جديد، لا نفتح أبواب المدارس لنلقِّن دروسًا عابرةً، بل نفتح أفق المستقبل أمام جيلٍ نراهن عليه لعمارة الأرض ورفعة الوطن. فليكن هذا العام محطَّةً للانطلاق الجاد، والابتكار المسؤول، والشراكة المجتمعيَّة الصادقة والفعَّالة، لنصنع معًا المخرج التعليمي الذي يليق بطموحات السعوديَّة العظمى، في ظل قيادتنا الرشيدة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store