وتبرز الأسرة باعتبارها النُّواة الأولى للمجتمع، والمجال الذي تتشكَّل فيه قيم التواصل والانتماء والتكافل وتحمُّل المسؤوليَّة.
ومع التطوُّر الكبير في وسائل التواصل، أصبح الحفاظ على العلاقات الأسريَّة أكثر سهولة، إذ يمكن لرسالة قصيرة، أو اتِّصال هاتفيٍّ، أو سؤال عن قريب أنْ يكون بداية لتجديد علاقة، أو الحفاظ على تواصل قائم، إلَّا أنَّ الأهميَّة الحقيقيَّة تكمن في الاستمراريَّة وتحويل التواصل إلى ممارسة تعكس الاهتمام والحضور.
تعزيز المحبة والعلاقات الأسرية
وأوضح المهندس زكي الجوهر، المستشار الإعلامي وعضو هيئة الصحفيِّين السعوديِّين، أنَّ صلة الرَّحم تبدأ من مواقف بسيطة، مثل التَّهنئة، أو الاطمئنان على مريض، أو السؤال عن قريب، أو مشاركة أحد أفراد الأسرة أفراحه، والوقوف إلى جانبه عند الحاجة، مؤكِّدًا أنَّ هذه المواقف تعزِّز المحبَّة والانتماء وتجعل العلاقات الأسريَّة قائمة على الحضور المستمر.
وأشار الجوهر إلى أنَّ بيانات الهيئة العامة للإحصاء، تُظهِر أنَّ 86% مِن الأُسر السعوديَّة تتكوَّن من فردَين فأكثر، فيما يبلغ متوسط حجم الأسرة خمسة أفراد، بما يعكس أهميَّة المحافظة على الرَّوابط الأُسريَّة وتعزيزها باعتبارها ركيزة لمجتمع أكثر تماسكًا واستقرارًا.
وأكَّد أنَّ اتِّساع الأسرة، وتعدُّد أجيالها يزيدان أهميَّة صلة الرَّحم، باعتبارها وسيلة لنقل القيم والتجارب والخبرات بين الأجيال، ودعم أفراد الأسرة في أوقات الأزمات، مشدِّدًا على أنَّ القدوة تلعب دورًا محوريًّا في غرس هذه الثقافة، إذ يتعلَّم الأبناءُ من مشاهدة الآباء والأمهات وهم يتواصلُونَ مع الأقارب ويشاركُونَهم مناسباتهم، ويقفُونَ معهم في أوقات الحاجة.
وقال الجوهر إنَّ صلة الرَّحم يمكن أنْ تنتقل من التواصل إلى البذل والإحسان، عبر الدعم الماليِّ، أو تقديم الوقت والخبرة، ثمَّ إلى مرحلة أكثر استدامة من خلال الصناديق العائليَّة، والأوقاف، والبرامج التعليميَّة، ورعاية الموهوبين، ودعم المحتاجين، وتوثيق تاريخ الأسرة، بما يحوِّل العطاء من جهود فرديَّة إلى عمل منظَّم يستفيد منه أفرادُ الأُسرة والأجيال القادمة.
الحدُّ من القطيعة
من جهته، أوضح عبدالرحمن بن عبداللطيف بوشليبي، مدير تنمية أُسريَّة، أنَّ رسالة تهنئة، أو اتِّصالًا للاطمئنان، أو دعاءً لمريض قد تبدُو أعمالًا بسيطةً، لكنَّها ترسِّخ الشعور بالانتماء، وتقوِّي روابط المحبَّة، مشيرًا إلى أنَّ استمرار التواصل وعدم ربطه بالمناسبات فقط يُسهِمان في الحدِّ من القطيعة، وبناء بيئة أُسريَّة أكثر تماسكًا وقدرةً على مواجهة التحدِّيات.
وأشار بوشليبي إلى أنَّ العمل المؤسسيَّ داخل الأُسرة يمثِّل نموذجًا حديثًا لتعزيز الترابط، من خلال تحديد الاحتياجات، وترتيب الأولويَّات، وتوزيع المسؤوليَّات، وضمان استمراريَّة المبادرات، مؤكِّدًا انسجام ذلك مع مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030 في بناء مجتمعٍ حيويٍّ، وتعزيز جودة الحياة والمسؤوليَّة المجتمعيَّة والتكافل.
تعزيز مهارات التواصل
بدوره، أوضح عبدالرحمن بن عبدالعزيز البوعبيد، معلمٌ تربويٌّ، أنَّ الأُسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلَّم فيها الأبناءُ قيمة صلة الرَّحم، وأنَّ الممارسة اليوميَّة أكثر تأثيرًا من التوجيه المباشر.
وأضاف إنَّ المشاركة في المناسبات العائليَّة تعزِّز مهارات التواصل وروح المسؤوليَّة والانتماء، فيما يشمل بناء الأثر الاستثمار في الإنسان عبر التعليم، ورعاية الموهوبين، وتطوير القدرات، وتوثيق التاريخ العائليِّ، وحفظ الذاكرة التي تربط الأجيال.
دعم العمل المؤسسي
وفي السياق ذاته، أوضح عبدالرحمن بن خالد الجوهر، عضو صندوق جواهر العائليِّ، أنَّ أعلى مراتب صلة الرَّحم تتمثَّل في تحويل العلاقات الأُسريَّة إلى مبادرات مؤسسيَّة مستدامة، مثل الصناديق العائليَّة، والأوقاف، وبرامج دعم التعليم، ورعاية الموهوبين، مؤكِّدًا أنَّ العمل المؤسسي يجعل العطاء جزءًا من ثقافة الأُسرة، ويضمن استمراره.
وحدد الجوهر مراتب صلة الرَّحم في أربع مراحل متكاملة، تبدأ بالتفاعل من خلال التَّهاني، والسؤال، ومشاركة الأخبار، ثمَّ الحضور والمشاركة في اللقاءات والمناسبات، يليها البذلُ والإحسانُ بالدَّعم الماليِّ، والتطوُّع بالوقت والخبرة، وصولًا إلى بناء الأثر والاستدامة عبر الصناديق العائليَّة، والأوقاف، ورعاية المواهب، وتوثيق تاريخ الأُسرة، وبذلك تتحوَّل صلة الرَّحم من ممارسة مرتبطة بالمناسبات إلى مشروع أُسريٍّ مُستدام يبدأ بالتواصل، ويترسَّخ بالحضور والمشاركة، وينمُو بالبذل والإحسان، ويستمرُّ من خلال مبادرات تحفظ أثره للأجيال، بما يعزِّز تماسك الأُسرة، ويدعم بناء مجتمعٍ حيويٍّ متكافلٍ ومُستدام.


