Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

كَلبشــــــة

A A
تبدأ الكلبشة الماليَّة حين يتحوَّل المالُ من وسيلة تمويل إلى أداة تقييدٍ، وحين تصبح القروضُ قيدًا يحدُّ من الحركة والقرار والحريَّة. وبعض القروض لم تغيِّر مصائر أفراد أو مؤسسات فحسب، بل أسهمت في تغيير مسارات تاريخيَّة كُبرى. ومن أبرز الأمثلة في أوروبا قروض الألمانيِّ يعقوب فوجر، أحد أغنى رجال العالم في القرن السادس عشر، الذي كوَّن ثروته من الاستثمار والتجارة في سلاسل إمداد النحاس والفضَّة الأوروبيَّين، وكانا من أهم مكوِّنات العملات المعدنيَّة -آنذاك-. وكان له كذلك نشاطٌ مؤثِّرٌ في التمويل، ولا سيَّما في تلبية احتياجات الكنيسة، فنتج عن ذلك نفوذ هائل جمع بين التحكم في مصادر المال وسلطة الكنيسة الكاثوليكيَّة في الفاتيكان. وأثرت شروط القروض القاسية لتطويع سياسات الكنيسة إلى درجة مسَّت مفاهيمَ روحانيَّة وأثارت اعتراضاتٍ واسعةً بين طبقات اجتماعيَّة نشطة. وكان القسيسُ مارتن لوثر في مقدِّمة المعترضِين، حين علَّق أطروحاته الشَّهيرة على باب كنيسة القصر في بلدة فيتنبرغ الألمانيَّة في 31 أكتوبر 1517. أعلن لوثر مطالبه في 95 نقطة، وكان كثيرٌ منها متَّصلًا بصكوك الغُفران، وبالقوَّة الماليَّة التي أثرت في الكنيسة الكاثوليكيَّة، فأشعل بذلك بداية الحركة البروتستانتيَّة، وما تبعها من انقسامات فكريَّة وماليَّة وسياسيَّة أدَّت إلى حروبٍ ودمارٍ.
ورغم أهميَّة هذا الحدث في بيان قُدرة القروض على تغيير التَّاريخ، فإنَّ ما يلامسنا أكثر هو وعدُ بلفور. فبموجب ذلك الوعدِ المشؤومِ صدر إعلانٌ يُعطي مَن لا يملكُ إلى مَن لا يستحقُّ، إذ أعلن وزيرُ خارجيَّة بريطانيا -آنذاك- آثر بلفور حقَّ اليهود في الأراضي الفلسطينيَّة. وإذا تأمَّلنا خطاب الوعد، المكوَّن من 67 كلمةً، وجدنَاه رسالةً موجَّهةً إلى البارون روثتشايلد، وكان أبرز المموِّلين والدَّاعمين للحركة الصهيونيَّة. كما أنَّ تاريخ الوعد، الصَّادر في نوفمبر 1917، بينما كانت فلسطين لا تزالُ تحت الإدارة العثمانيَّة، يعكسُ محاولة لتطويع التمويل الصهيونيِّ في دعم الخزينة البريطانيَّة المُنهكة بفعل الحربِ العالميَّة الأُولى.
وللعلم، فقد سبقت الحرب العالميَّة الأُولى دوافع ماليَّة واقتصاديَّة كُبرى، ارتبطت بالتَّنافس على أسواق المواد الخام، ومناطق النُّفوذ، ومصادر الثَّروة. وكانت دولٌ عُظمى، وفي مقدِّمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تتحكَّم في مستعمراتٍ واسعةٍ، ونفوذٍ قويٍّ حول العالم. كما غذَّى التنافسُ الصناعيُّ، في المجالات الحربيَّة والمدنيَّة، سباقًا محمومًا زاد من حدَّة الصِّراع. وبعد اندلاع الحرب، أصبحت القروضُ والسنداتُ الحكوميَّة من أهم أدوات تمويلها، لكنَّها في الوقت نفسه أرهقت الميزانيَّات والاحتياطيَّات الماليَّة، وأضعفت العُملات، وهنا برز دورُ عائلة روثتشايلد في بريطانيا. ويبدو أنَّ وراء كلِّ حربٍ كُبرى مجموعات من القروض والمصالح الماليَّة التي تغذِّي الدَّمار بأشكاله وألوانه المختلفة.
أمنيــــــــة:
يا ترى ما القصصُ الماليَّة الكامنةُ خلف حروب اليوم، من الحرب على المدنيِّين في فلسطين، إلى حرب إيران، و أوكرانيا؟ ومتى ستنكشف تفاصيلُ الكلبشة الماليَّة التي تُطيل أمد هذه الحروب، وتغذِّي تكاليفها المُذهلة؟ ومَن هُم المستفيدُون ماليًّا من كلِّ هذا الدَّمار؟ أتمنَّى أنْ تتوقَّف هذه الصِّراعات التي تقتلُ الأبرياءَ، وتعطِّل مسارَ الحضارات، وتشوِّه حضارة العالم، وأنْ تنكشف أسرارُ مَن يضعُون الرِّبح قبل مصالح البشريَّة، واللهُ الهادِي إلى سواءِ السَّبيل، وهُو مِن وراءِ القَصدِ.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store