وهذا ما نشهده في بلادنا، حِراك ثقافي وأدبي تتولَّد في فضائه الأفكارُ والمبادراتُ، وتتجدَّد معه علاقة الإنسان بالكِتَاب والفنِّ والمكانِ.
وقد شهد المشهدُ الثقافيُّ الوطنيُّ -خلال السنوات الماضية- تحوُّلًا كبيرًا في التنوُّع والانتشار، مستندًا إلى ما يحظى به القطاعُ من عنايةٍ ودعمٍ من سيِّدي خادم الحرمين الشَّريفين، وسمو سيِّدي وليِّ العهد -حفظهما الله- وإلى رُؤيةٍ وطنيَّةٍ جعلت الثَّقافة مكوِّنًا أصيلًا في مسيرة التحوُّل التي تعيشها المملكةُ.
وامتدَّ حضور الثقافة السعوديَّة إلى الخارج، وكان أحدث تجلِّياته الإعلان عن إنشاء مركزٍ ثقافيٍّ سعوديٍّ في باريس، على هامش زيارة سموِّ وليِّ العهد إلى الجمهوريَّة الفرنسيَّة.
مؤشر الأثر الثقافي
أسهم «الصندوق الثقافي»، ومبادرة «الشريك الأدبي» في توسيع الحراك الثقافي، فـ«الشريك الأدبي» تجربة لافتة في تقريب الأدب من الحياة اليوميَّة، والوصول إلى النَّاس في مناطق ومدن ومحافظات متعدِّدة، ومن هنا تتعزَّز أهميَّة «مؤشر الأثر الثقافي» في قراءة المشهد، فعدد البرامج والفعاليَّات والحضور والمشاركات يقدِّم صُورةً مهمَّةً عن حجم النشاط وانتشاره، فيما يمنحنا الأثرُ قراءة تتَّجه إلى النتائج المتراكمة بعد انتهاء الحدث، كم موهبة اكتشفنا؟ كم قارئًا جديدًا كسبنا؟ كم مبدعًا انتقل من حضوره المحليِّ إلى مساحة أرحب؟ كم فكرة تحوَّلت إلى مشروع مستدام؟ وكيف انعكس النشاط على الإنسان والمكان والمجتمع؟.
هذه الأسئلة وغيرها تمنحُ المؤشِّرات الكميَّة بُعدًا إضافيًّا، وتساعد على معرفة التجارب ذات التأثير المُمتد؛ فقد تكون أمسية صغيرة نقطة انطلاق لكاتبٍ جديدٍ، أو مسابقة سببًا في اكتشاف موهبة، أو لقاء داخل صالون بداية لشراكة ثقافيَّة، أو حوار في مقهى شرارة لمشروع يكبر لاحقًا، وهنا يصبح قياس الأثر امتدادًا طبيعيًّا لنجاح الحِراك، وأداة تساعد على البناء فوق مكتسباته، وتعظيم قيمته الثقافيَّة والاجتماعيَّة.
البصمة الثقافية للمدن
ويرتبط بذلك مفهوم «البصمة الثقافيَّة للمدن»، فلكل منطقة ومدينة ومحافظة شخصيَّتها التي تشكَّلت عبر التاريخ والجغرافيا والإنسان، بما تحمله من أدبٍ وشعرٍ وموسيقى وعمارةٍ وحِرفٍ وفنونٍ ولهجةٍ وذاكرةٍ اجتماعيَّةٍ.
وتكمنُ قيمة هذا التنوُّع في تحويله من مجرَّد مخزون قابل للاكتشاف، إلى حِراك تفاعليٍّ يتنقل بين أرجاء الوطن.
ومن هذا التصوُّر أقترحُ مبادرةَ وطنيَّةً تحملُ اسم «تَلاقِي الثقافي»، تقومُ على التبادل الثقافيِّ المنظَّم بين مناطق المملكة؛ فتكون كلًّ منطقة ضيفًا ثقافيًّا على منطقة أُخرى، حاملة معها أدباءَها وشعراءَها وفنانِّيها وكتبهَا وحرفهَا ومواهبهَا، فالفكرةُ تتجاوز انتقال فعاليَّة إلى انتقال تجربة المكان نفسه، الإنسان بحكايته، والمبدع بتجربته، والمدينة بذاكرتها.
أتخيَّلُ جازان تحضرُ بثقافتها في حائل، والجوف تلتقي بالأحساء، والمدينة المنوَّرة تقدِّم جانبًا من ذاكرتها وإبداعها في أبها، والرِّياض تلتقي بتبوك، ونجران تحمل حكاياتها وإبداعها إلى جدَّة، ثمَّ تتغيَّر اللقاءات حتى تنشأ شبكة ثقافيَّة بين مناطق المملكة الثلاث عشرة.
علاقة ثقافية ممتدة
وتزداد قيمة «تَلاقِي الثقافي» مع ترك كلِّ استضافة أثرًا بعدها؛ إصدارًا مشتركًا، أو عملًا فنيًّا، أو مشروعًا إبداعيًّا، أو فرصة لموهبة؛ لتتحوَّل الفعاليَّة إلى علاقة ثقافيَّة ممتدة، ويسهم الإعلام في توثيق هذه التجارب، وتعريف المواطنين بثقافات مناطق وطنهم.
وهنا أرى مستقبل الحِراك الثقافيِّ في بلادنا: من الحضور إلى الأثر، ومن البصمة إلى الحركة، ومن خصوصيَّة المكان إلى رحابة الوطن، ومن تعدُّد ثقافات المناطق إلى تلاقيها؛ لنعزِّز ونرسِّخ مشهدًا وطنيًّا واحدًا، ثريًّا بتنوُّعه، عميقًا بأثرهِ.
* مستشار ثقافي وإعلامي


