ليس القبول في الجامعة مجرد مقعد يُمنح لطالب بعد سنوات من الدراسة، ولا هو بوابةً إلى شهادة تُعلَّق على جدار، بل هو قرار يمسّ مستقبل الإنسان، ويؤثر في جودة التعليم وفي قدرة المجتمع على بناء كفاءاته. وبين رغبة الأسرة، وطموح الطالب، وشروط الجامعات، تتداخل اعتبارات كثيرة تجعل من قضية القبول الجامعي واحدة من أكثر القضايا التعليمية حساسية. فالمقعد الجامعي حقٌّ لا ينبغي أن يتحول إلى غاية تُنال بالواسطة، كما أن شروط القبول لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تعجيزاً.
هناك جملة من الإشكاليات الثقافية التي تتلبس موقفنا من قضية قبول الطالب في الجامعات، وهي إشارات حررتها التجربة، وأنضجتها الخبرة. ومن أبرزها إشكالية الفرض؛ حيث يفرض بعض أولياء الأمور على أبنائهم وبناتهم تخصصات معينة لا رغبة لهم فيها، لا لشيء إلا لأن الولي يرغب في أن يكون ابنه طبيباً أو مهندساً. وينسى أن ابنه إنسان له ميوله ورغباته وإمكاناته، وأن من أكبر الأخطاء أن يُزج به في معترك لا يحسنه ولا يرغبه. وكم شاهدنا طلاباً أُكرهوا على دخول كليات الطب والهندسة، فكانت النتيجة فشلاً ورسوباً، ثم انقطاعاً عن الدراسة أو تحوّلاً إلى كلية أخرى.
ومن الإشكالات كذلك الواسطة، وهي في ظني فرع من غياب ثقافة الأنظمة؛ فبعض ذوي الطلاب لا همّ لهم سوى قبول الابن، غير عابئين بالمعايير التي وضعتها الجامعة، ولا بمبدأ تكافؤ الفرص. إن الجامعات حين تضع شروطاً للقبول ونسباً وامتحانات، إنما تهدف إلى أمرين أساسيين: اختيار الأفضل في ظل عدم قدرتها على استيعاب جميع الخريجين، وتحقيق الحد الأدنى من الكفاءة العلمية التي يتمكن معها الطالب من اجتياز المرحلة الجامعية بجدارة. لكن البعض، غفر الله لنا ولهم، لا يرى في هذه الاشتراطات إلا تعنتاً وتعجيزاً.
ومن المؤسف أن هذه الاشتراطات انعكست، في بعض البيئات، سلباً على المدارس الثانوية، بحيث صار هناك تساهل في التدريس والتخريج ومنح الدرجات، ليجد الطالب مقعداً جامعياً. لقد عشت أنا وجيلي زمناً كانت تُردَّد فيه عبارة: «لم ينجح أحد»، وكان التخرج من الثانوية لا يتحقق إلا للجاد في دراسته. أما حين يصبح همّ القبول في الجامعة دافعاً إلى الترخص في مخرجات الثانوية، فإن النتيجة تكون إضعافاً لمعيار الاستحقاق، بدلاً من أن يكون القبول حافزاً إلى التجويد والاجتهاد.
وهناك أيضاً إشكالية النظرة القاصرة؛ إذ ينحصر التفكير أحياناً في قبول الطالب ثم تخرجه بشهادة تهيئ له وظيفة، دون التفكير الكافي في أثر مستوى الطالب على المستقبل التعليمي للدولة، وعلى الجامعات نفسها. وقد رأينا كيف يمكن لضعف المدخلات أن يفضي إلى انخفاض مستوى الأداء التعليمي في الجامعات؛ ولذلك فإن أي توجُّه للتصحيح؛ لا بد أن يكون من مرتكزاته، ترشيد القبول وتقنينه، مع مراعاة العدالة وتكافؤ الفرص. غير أن من ينادي بذلك أو يبدأ في تطبيقه قد يواجه التهمة الجاهزة: بأنه لا يهتم بمستقبل الأبناء وحياتهم.
إنني هنا لا أغفل معاناة شبابنا، ولا أقلل من أهمية إتاحة الفرص لهم، ولكنني ضد أن تُحمَّل الجامعات مسؤولية حل مشكلات المجتمع كلها، ولو كان ذلك على حساب رسالتها الأساسية، ودورها الأهم في تخريج الكفاءات العلمية، وتنشيط البحث العلمي. إن معالجة قضية القبول الجامعي تبدأ قبل بوابة الجامعة: في مدرسة تكتشف الموهبة، وأسرة تحترم ميول أبنائها، ومؤسسة تعليمية ترفع جودة مخرجاتها، ونظام قبول واضح يضمن العدالة ويقاوم الواسطة، وجامعة تملك من المرونة ما يسمح لها باختيار الطالب المناسب للتخصص المناسب.
وفي نهاية المطاف، ينبغي أن تكون أبواب الجامعات عادلة، وأن يقف عندها الطالب وهو يحمل مؤهلات حقيقية لا واسطة، وطموحاً لا وهماً. فالجامعة بيت للعلم، ومسؤوليتها أن تحفظ مستوى المعرفة وتفتح الطريق لمن يملك القدرة على السير فيه. وحين تتكامل مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة، يصبح القبول الجامعي بدايةً عادلة لمسيرة بناء الإنسان.


