Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. سعود كاتب

أين يكمن «الفكر» في مراكز الفكر؟

A A
ربما تكون عبارة «مركز فكر» من أكثر العبارات التي نستخدمها بسهولة، دون التوقف باهتمام عند معناها الحقيقي. فما أن نقول مركز فكر Think Tank حتى يتبادر إلى الذهن كيان يضم باحثين وينتج دراسات وتقارير وندوات وورش عمل.. وكل ذلك صحيح دون أدنى شك، لكنه لا يجيب على السؤال الأعمق، وهو: أين تحديداً يوجد «الفكر» في مركز الفكر؟ ولماذا لا نكتفي مثلا بتسمية «مركز بحوث ودراسات»؟.
ربما لأن كلمة «فكر» يفترض أن تعني شيئًا يتجاوز إنتاج المعرفة، فالبحث يجمع المعلومات، ويفحص الأدلة، ويحلل الظواهر، ويختبر الفرضيات. أما الفكر فيبدأ عندما نسأل: ماذا تعني هذه النتائج؟ وما الذي يمكن أن يكون مهمًّا وأغفلناه؟ وهل نفهم المشكلة كما ينبغي؟ وقبل كل ذلك، هل السؤال الذي نحاول الإجابة عنه هو أصلًا السؤال الصحيح؟.
هنا تحديدا تبدأ مهمة مركز الفكر، عبر الغوص بعمق أكبر لإعادة النظر في المسلمات، وطرح أسئلة جديدة، والربط بين ظواهر تبدو منفصلة، واستشراف ما قد يحدث قبل أن يصبح واقعًا.
ولأن الأفكار لا تولد عادة مكتملة، فإن صناعة الفكر تحتاج إلى بيئة مختلفة عن بيئة إنتاج البحوث والتقارير، بيئة تحرس الفكرة بمنحها مساحة لكي تولد، ووقتًا لكي تنضج، وأشخاصًا مستعدين للاستماع إليها حتى عندما تبدو في بدايتها غير مألوفة؛ وغير واضحة المعالم.. تحتاج باختصار إلى بيئة يمارس فيها «حارس الأفكار» مهمة احتضانها، لا وأدها في مهدها لمجرد أنها تبدو له مختلفة وغريبة، أو لأنها قد تعكر منطقة الراحة والهدوء لديه.
نعم، «الحارس» ضروري لحماية جودة البحث والمنهجية ودقة الاستنتاجات، والالتزام بالمعايير المتعارف عليها، لكن الحماية المفرطة تصبح مشكلة عندما تتحول إلى فرز مسبق وصارم ومنحاز لما ينبغي وما لا ينبغي مجرد التفكير فيه.
وكنتُ قد تناولت في مقالي السابق موضوع «تكلفة الأفكار» في مجال الإعلام، وقلت بأن الآراء والأفكار الجديدة قد يكون لها ثمن، لأنها تُشعِر البعض بعدم الأمان فتُقَاوَم.. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في مراكز الفكر التي ينبغي أن تكون من أكثر البيئات قدرة على خفض تلك التكلفة، لا زيادتها.
وهذا قطعاً لا يعني أن تكون المؤسسة بلا معايير وضوابط.. العكس هو الصحيح، هي تحتاج إلى حرية عالية في التفكير، وانضباط عالٍ في اختبار الأفكار. فالفكرة الضعيفة يمكن تطويرها، والخاطئة يمكن رفضها، أما وأد الفكرة قبل ولادتها أو نضوجها؛ فهو قتل غير رحيم للإبداع والتطوير.
إن اختلاف الآراء والطروحات داخل مراكز الفكر، وقدرتها على تحدي الأفكار السائدة بالحجة والدليل، هو مصدر قوتها الحقيقي وتميزها. أما السعي إلى التوافق التام بحثاً عن الهدوء والاطمئنان، فهو ضياع للوقت والجهد، وتكرار لذات النماذج والحلول التي تردد على مسامعنا ما نود سماعه، لا ما نحتاج لسماعه وفعله.
ومن هنا يمكن القول بأن مراكز الفكر لا ينبغي أن تكون مجرد منتج للبحوث.. نعم، البحث هو مادتها الأساسية، لكنه ليس غايتها النهائية، فالقيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول المعرفة إلى فكرة، والفكرة إلى نقاش، والنقاش إلى فهم أعمق، ومن ثم إلى قرار أو سياسة أو ممارسة أفضل.
ومع تسارع التحولات واتساع الطموحات، فإننا أحوج ما نكون إلى مراكز فكر قادرة على استشراف المستقبل وصناعة الأجندة الفكرية أكثر من أي وقت مضى. مراكز لا تكتفي بأن تكون مرآة لما يحدث، بل تسعى إلى أن تكون أحد العقول الملهمة التي تساعد على صناعة ما سيحدث.
ولعل جوهر المسألة كلها يكمن في شيء بسيط: أن يكون مركز الفكر مكانًا لا تُوأد فيه الفكرة لأنها مُبتَكَرَة أو غير مألوفة، ولا أن تُقبل لأنها مريحة وآمنة، بل تُمنح فرصة لأن تولد، ثم تُختبر بصرامة حتى أقصى حدود الاختبار.
عندها فقط يصبح «الفكر» في مركز الفكر أكثر من مجرد كلمة في اسم، وتصبح المؤسسة جديرة فعلًا بأن تحمل هذا الاسم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store