يظل الباذلون مستمرين في البذل والعطاء باستمرار هذه الحياة، ويظل عطاؤهم نهرًا جاريًا لا ينضب ولا يتوقف، وتظل روحُ المبادرة لديهم طاقةً إيجابيةً لا يتوقف نشاطها مادام الليل والنهار يتعاقبان.
ملهِّي بن سلامة القحطاني، اسم ربما ليس له من الشهرة ما لغيره من أصحاب المهارات والمواهب ورؤوس الأموال، والمكانة والجاه والمشاهير. ملهِّي القحطاني يملك ثروة مالية طيبة، ومن فضل الله عليه وتوفيقه له أن جعلها تستقر في يده وليس في قلبه، وهنا يكمن الفارق بين مَن جعل المال في قلبه ومن جعل المال في يده؛ فالأول يملكه المالُ، وهو ما يجعله يشح به على نفسه وأهله والمحتاجين، بل ربما يصل به حب المال والحرص عليه إلى عدم إخراج الحق الواجب فيه ممثلًا في الزكاة، والآخر يملك المال، وهو ما يجعله سخيًّا به على نفسه وأهله، مؤديًا حق الله فيه.
الجميع رأي بعين الإعجاب والإكبار والفخر -مطلع هذا الأسبوع- ما قدمه ملهِّي القحطاني وإخوانه من عطاءات كبرى، تمثلت في أوقاف ثلاثة هي: مركز طبي لغسيل الكلى بطاقة (١٥٠) مريضًا أسبوعيًّا، ومركز للأورام بسعة (٣٣) غرفةً للعلاج الكيماوي، ومركز للتأهيل الطبي والأطراف الصناعية يضم (٣٨) عيادة تخصصية تحت مسمى (أوقاف الشاكرين لخدمة المجتمع) في المناطق الجنوبية (عسير والباحة وجيزان ونجران)، وذلك ضمن المدينة الطبية الضخمة بجامعة الملك خالد.
لن أتحدث عن حجم التبرع بهذه المراكز الثلاثة التي تأتي استكمالًا لسلسلة مشاريعه الخيرية على مستوى الوطن، وفي أكثر من مدينة ومحافظة وفي الاتجاهات الجغرافية للوطن، لكن الحديث سيكون عن توفيق الله لهذا الرجل - وإخوانه- حينما وظَّف ماله في أوقاف خيرية مجسَّدة على أرض الواقع وذات نفع متعد للآخرين، وعن الواجبات التي آمن بها هذا الرجل؛ فكان أولها الواجب الدِّيني وما يترتب عليه من جزاء عظيم وعفو وغفران وفوز بالجنان بإذن الله، وثانيها الواجب الوطني وما يترتب عليه من إعادة تعريف المواطن الصالح الذي يسهم في تنمية وطنه ويكون شريكًا في بنائه، وليس آخرها الواجب الاجتماعي الذي يرفع حس المسؤولية ويُسهم في الارتقاء بمفهوم التكافل والتعاون بين أفراد المجتمع.
لقد ضرب ملهِّي القحطاني وإخوانه المثل الأسمى لمعنى قوله صلى الله عليه وسلم «نعم المال الصالح للرجل الصالح»، بل إنه صحَّح كثيرًا من المفاهيم؛ فصحح المعنى الحقيقي (للكرم) الذي نحا منحًى خاطئًا في الآونة الأخيرة، وصحح الرؤية حول مسارات البذل والعطاء، وصحح مفهوم المواطَنة الحقيقية، وصحح مفهوم القدوة، وغيرها من المفاهيم، ولا غرابة في ذلك؛ فملهِّي - وإخوانه- يمثلون درةً متلألئة في العِقد الكبير للكرماء الحقيقيين والقدوات الصادقين والباذلين لإصلاح الدنيا وخير الدِّين الموجودين في كل زمان ومكان.. فهنيئًا لهم هذه الأعمال الراسخة النافعة، الشاملة لشرائح كبرى متعددة، هنيئًا لهم هذا النفع المتعدي والأثر الباقي والأنهار المتدفقة بالأجور والحسنات.. و»لِمثْلِ هذَا فليعملِ العامِلونَ - وفي ذلكَ فلْيتَنافسِ المتنافسُون».


