يراودُنِي شَكٌّ -أقربُ لليقينِ- أحيانًا، بأنَّ القائمين على حسابات الخدمات العامَّة، المرتبطة بالالتزامات الماليَّة، للمشتركِين من ذوي الدَّخل المحدود، تعرفُ بعضها بعضًا، ولديهم قروب «واتس آب» يتواصلُونَ من خلاله، ويتبادلُون الآراءَ الصَّارمة، والتَّوصيات الحادَّة؛ لتضييق خاطره، وتنكيد عيشته، المهم أنَّه لا يكفي تحصيل فواتيرهم منه -واللِّي بيدفعها طال الزَّمن وإلَّا قصر- بل وتطفيشه، وإقلاق راحته، خاصَّة أيَّام الإجازة الأسبوعيَّة!!
لقد حرصت الأنظمة المرعيَّة، على منح الموظَّف إجازةً أسبوعيَّة؛ ليبتعد عن ضغوط العمل، ويجلس مع عائلته، ويرى أصحابَه، ويروِّحُ عن نفسه، لكنَّ بعض القائمين على حسابات الخدمات العامَّة: الكهرباء، الاتِّصالات، المياه، يفتقدُون للَّباقة، والذكاء العاطفيِّ؛ لأنَّهم يتركُون أيام الأسبوع كلَّه، ولا يحلُوا لهُم إرسال الفواتير -والتَّذكير بها- إلَّا في «الويكند»، وكأنَّهم متواصُونَ عليه: مو مهم يسدِّد المطالبة، المُهم (نغِّصُوا عليهِ الإجازةَ)!!
أوَّل ما تصحو يوم الجمعة، وأنت بعد ما ارتشفت قهوتك، ولا وضعت لقمة بفمك، تردُكَ رسالة تؤجِّج مشاعرك، وترفع ضغطك: «مرحبًا فلان، صدرت فاتورة حسابك... بمبلغ... للاطِّلاع والسَّداد عبر تطبيق السعوديَّة للطاقة»، وأثناء النُّهوض للغُسل والتَّبكير للذهاب للخُطبة، تردك فاتورةُ الجوَّال، والواي فاي معًا، تحت عنوان يربِّت عليك قبلْ أنْ يلطمك: «عزيزي فلان، نودُّ تذكيرك بسداد المبالغ المستحقَّة عليك؛ تجنُّبًا لفصل الخدمة»!!
لقد بدأتُ أشكُّ، أنَّ الشيطان يأخذ (أوف) الجمعة؛ لأنَّه مستكفٍ بالقائمِين على الحسابات العامَّة، الذِين يُذهِبُون الخشوعَ والروحانيَّة برسائلهم المستفزَّة، بل ويظلُّون يلاحقُونك طوال اليوم: وأنت تحطُّ فرشتك وأغراضك لتنعمَ بدفء الأسرة، بإشعار المياه الوطنيَّة: «عميلنا العزيز، نفيدُك بصدور فاتورتك.. وبإمكانك السَّداد عبر القنوات الرقميَّة»، وما أنْ ترد على العَشاء حتَّى تصلك رسالة العمل البايتة: «سوف يتم خصم أجر ساعات العمل الناقصة»!!
الغريبُ، أنَّه حتى عندما تكون ملتزمًا بسداد الفواتير المستحقَّة، لا بُدَّ وأنْ تصلك مثل هذه الرسائل المُزعجة بيوم الرَّاحة، وكأنَّها عقوبة حتميَّة، رسائل تبلغك بوجود عطلٍ طارئٍ في الشبكة، وأنَّ الفريق يعمل لإصلاحه، رسائل تبلِّغك بأنَّ بطاقتك البنكيَّة، أو عقدك بإيجار، شارفت على النِّهاية، رسائل تأتيك من أناسٍ انقطعت صلتك بهم منذ سنين طويلة «يهنِّئونك بالجمعة» ولو فكَّرت تردُّ على أحدِهم لتطمئن عليه لن تتلقَّى أيَّ إجابة!!
لذا أقترحُ تضمين لائحة الذَّوق العام، عقوبة مغلَّظة ضدَّ كلِّ مَن ينتهك خصوصيَّة النَّاس أيام الإجازة الأسبوعيَّة، بإرساله الفواتير، والمطالبات الماليَّة، المُهم أنْ لا تفكِّر للحظة بإقفال جوَّالك يوم السبت -على أمل أنْ تنعم بالرَّاحة-؛ لأن «زوجتك النقمة» تراقبك، وتتسنَّح الفرصة؛ لتمطرك بقائمة طويلة من الطَّلبات الغالية والكماليَّة؛ لدرجة قد تدفعك للشَّكِّ بأنَّها مديرةُ قروب حسابات الخدمات العامَّة، ومؤسِّسة شعار: (نغِّصُوا عليه الإجازةَ)!!


