Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

بوصلة الصناعة نحو الشمال

A A
تخوض المملكة العربيَّة السعوديَّة مرحلة تنمويَّة غير مسبوقة، ترتكز على رُؤية إستراتيجيَّة عميقة لإعادة هندسة الخريطة الاقتصاديَّة والجغرافيَّة. ومن أبرز ملامح هذه التحوُّلات هو التوجه نحو توجيه بوصلة الصناعات والشركات نحو مناطق الشمال والأطراف، وهو خَيارٌ إستراتيجيٌّ لا غنى عنه لتحقيق التنمية المُستدامة، وخلق بيئة متوازنة توزع ثمار النموِّ على كافَّة الجغرافيَّات.
لم يكنْ هذا التوجُّه ليكون قابلًا للتحقق لولا القفزة الكُبرى في البنية التحتيَّة التي وفَّرتها حكومتنا الرشيدة؛ حيث تم ربط مناطق المملكة ومدن الشمال بشبكة طرق حديثة وعالية الكفاءة، إضافة إلى خطوط اللوجستيَّات والنقل المتقدِّمة.
هذه الشبكة المتطوِّرة ألغت تمامًا مفهوم "العزلة المكانيَّة" للمناطق الشماليَّة، وبات بإمكان المصانع والشركات نقل منتجاتها وموادها الأوليَّة بكل سلاسة ويُسر إلى الأسواق المحليَّة الرئيسة أو الموانئ للتصدير؛ ممَّا شجع المستثمرين على خوض غمار الاستثمار خارج المدن الكُبرى دون قلق لوجستيٍّ.
لتحقيق أقصى استفادة من هذا التوجه، نرى أنَّ هناك قطاعين إستراتيجيَّين يمثِّلان الخيار الأمثل لمناطق الشمال والأطراف؛ نظرًا لجدواهما الاقتصاديَّة وقدرتهما على استيعاب الشباب:
- قطاع الصناعات الغذائيَّة والزراعيَّة التقنيَّة (Agri-Food Tech):
يعتمد هذا القطاع على المزايا النسبيَّة لمناطق الشمال؛ إذ يمكن تحويل الإنتاج الخام إلى منتجات مصنعة ومعلبة ذات قيمة مضافة عالية؛ ممَّا يعزِّز سلاسل الإمداد ويقلِّل تكاليف النقل.
- قطاع الصناعات التعدينيَّة والتحويليَّة:
نظرًا لما تزخر به أراضي الشمال من ثروات معدنيَّة ومواد خام واعدة، فإنَّ توطين صناعات التعدين التحويلي هناك يساهم في تصنيع المواد محليًّا بدلًا من تصديرها خامًا؛ ممَّا يخلق فرص عمل هندسيَّة وفنيَّة دقيقة ومستدامة لشباب هذه المناطق.
تجسِّد منطقة الجوف نموذجًا بارزًا لهذا التوجه، خاصَّة بعد أنْ أكَّد سمو ولي العهد -حفظه الله- عند تدشين المكتب الإستراتيجي لتطوير منطقة الجوف على مكانتها كـ"سلة غذاء المملكة"، وهو ما يفتح آفاقًا رحبةً للصناعات التحويليَّة المرتبطة بها، ومن أبرز مقوِّماتها:
الأمن الغذائي والزراعي: بصفتها "سلة غذاء المملكة"، توفِّر الجوف بنية تحتيَّة زراعيَّة فريدة تدعم قيام صناعات غذائيَّة متكاملة (تصنيع، تعليب، وتغليف) قائمة على محاصيلها المتميِّزة كالتمور وزيت الزيتون.
الطاقة المتجدِّدة والتميز اللوجستي: بفضل مشروعات الطاقة المتجدِّدة الرائدة وموقعها الإستراتيجي، تمتلك الجوف طاقة نظيفة تدعم المصانع، بينما تضمن شبكة الطرق الرابطة وصول منتجات "سلة الغذاء" إلى كافة أنحاء المملكة بكفاءة عالية.
الاستثمار في الإنسان: إنَّ تطوير هذه الميز التنافسيَّة هو استثمار مباشر في شباب المنطقة، عبر توفير وظائف نوعيَّة في مجالات التقنية الزراعيَّة، التغليف، واللوجستيَّات.
تمكين الشباب وخلق فرص التوظيف: يساهم توطين الأنشطة في الشمال في الحدِّ من الهجرة الداخليَّة، وتوفير فرص عمل نوعيَّة بالقرب من مساكن الشباب؛ ممَّا يحسن جودة حياتهم.
تقليل الازدحام وضغط البنية التحتيَّة: يساعد هذا التوزيع في تخفيف الأعباء عن المدن الكُبرى من خلال خفض معدلات الازدحام والضغط على الخدمات العامَّة.
تحفيز التنمية الاقتصاديَّة المتوازنة: تحويل المناطق الشماليَّة إلى مراكز جاذبة للاستثمار وليست طاردة للسكان؛ ممَّا يجعل النمو الاقتصادي شموليًّا وعادلًا.
إنَّ تكامل الجهود بين تطوير البنية التحتيَّة واستقطاب الإستراتيجيَّات الصناعيَّة نحو الشمال، واستثمار هوية الجوف كـ"سلة غذاء المملكة"، يمثِّل نموذجًا إداريًّا وتنمويًّا فذًّا. إنَّه يفتح الباب على مصراعيه أمام طاقات الشباب الكامنة ليبدعوا ويساهموا بفاعلية في مسيرة البناء الوطني.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store