عندما يدخل الطالبُ كليَّة الهندسة، يواجه سؤالًا مهمًّا: أيُّ تخصص أختار؟ والهندسة اليوم لم تعد تقتصر على المدنيَّة والكهربائيَّة والميكانيكيَّة، بل أصبحت عالمًا واسعًا يضم الحاسبَ، والذكاء الاصطناعي، والهندسة الطبيَّة، والبيئيَّة، والبحريَّة، وغيرها.
الهندسة المدنيَّة تناسب مَن يهتم بالبنية التحتيَّة، والمباني، والجسور، والمياه، بينما ترتبط الهندسة الكهربائيَّة بالطَّاقة، والإلكترونيَّات، والاتِّصالات، أمَّا الميكانيكيَّة فتتعامل مع الآلات، والطَّاقة، والتَّصنيع، وهندسة الحاسب ترتبطُ بالبرمجيَّات، والأنظمة، والذكاء الاصطناعي.
وفي السنوات الأخيرة أصبحت تخصُّصات مثل الهندسة الطبيَّة الحيويَّة، والروبوتات، والطَّاقة المتجدِّدة، والهندسة البحريَّة أكثر أهميَّة نتيجة تغيُّر احتياجات العالم.
وهناك عدَّة تخصُّصات هندسيَّة متداخلة، ومن المطلوب التعمُّق في أكثر من التخصُّص حسب الحاجة، وتقدِّم جامعات عالميَّة مثل MIT وStanford وETH Zurich بيئات تجمع تخصُّصات مختلفة، فصناعة سيَّارة كهربائيَّة مثلًا تحتاج إلى مهندس كهرباء، وميكانيكا، وحاسب، وذكاء اصطناعي. والأطراف الأصطناعيَّة لبعض المرضى -على سبيل المثال- تتضمَّن تخصُّصات متنوِّعة من الكهربائيَّة، والطبيَّة، والميكانيكيَّة، وحاسب، وذكاء اصطناعي.
وهنا يجب أنْ يتغيَّر السؤال من: «أي تخصُّص هو الأفضل؟» إلى: «ما المشكلاتُ التي أحبُّ حلَّها؟»
فالطالبُ الذي يحبُّ الأجهزة قد يجد نفسه في الكهرباء، ومَن يحبُّ البرمجة قد يختار الحاسب، ومَن يحبُّ الطبَّ والهندسة قد يتَّجه إلى الهندسة الطبيَّة، ومَن يهتم بالبيئة والطَّاقة قد يجد نفسه في الهندسة البيئيَّة، أو الطاقة المتجدِّدة.
كما أنَّ سوق العمل يتغيَّر بسرعة، ولذلك لا ينبغي للطالب أنْ يعتمد على وظيفة واحدة، أو توقع واحد، بل يجب أنْ يبني مهارات قابلة للنقل، مثل البرمجة، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتواصل، والعمل الجماعي.
وسيؤثر الذكاء الاصطناعي في جميع التخصُّصات تقريبًا، لكنَّه لن يلغي الحاجة إلى المهندس، بل سيغيِّر الأدوات التي يستخدمها.
إنَّ الهندسة في جوهرها ليست اسم تخصص فقط، وإنَّما طريقة للتَّفكير، وحلِّ المشكلات، وتحويل الأفكار إلى واقعٍ عن طريق منتجات تفيد المجتمع، ولهذا فإنَّ أفضل تخصُّص ليس بالضَّرورة الأكثر شهرةً، بل التخصُّص الذي يستطيع الطَّالب أنْ يبدع فيه، ويستمر في التعلُّم داخله.


