كشفت الكارثةُ التي شهدتها نيبالُ أخيرًا، بعد انهيار جزءٍ من نهر جليديٍّ مرتفعٍ، عن مسألة تتجاوز حدود الجغرافيا والجِبال: كيف نفهمُ الكوارث، وكيف نختارُ الكلمات التي تصفُها؟ فقد بدأ الحدث بانهيارِ كتلةٍ من الجليد والصُّخور، ثمَّ تحوَّل إلى اندفاعٍ هائلٍ من الحُطام، وسيولٍ جارفةٍ اجتاحت القُرى والطُّرق والمنشآت. وعندما انحسرت المياهُ، ظهرت مساحاتٌ واسعةٌ مغطَّاةٌ بالطِّين والطَّمي، في صورة كشفت حجم ما حملته السُّيول في طريقها. ولم يكنْ ما جرى حادثًا واحدًا، بل سلسلة من الأخطار ولَّد كلُّ واحد منها خطرًا آخرَ.
نستخدم في العربية كلمة «الخطر» أحيانًا؛ للدلالة على مفهومَين مختلفَين، وقد يبدُو التَّفريق بينهما لُغويًا، لكنَّه في الحقيقة مهمٌّ في التَّفكير والتَّخطيط. فالخطرُ هو الظاهرةُ القادرةُ على إحداثِ الضَّرر، مثل الزَّلازل أو السُّيول أو الانهيارات الصخريَّة. أمَّا المخاطرُ فهي الخسائرُ المحتملة التي قد تُصيب النَّاس والممتلكات والخدمات إذا وقعتْ تلك الظَّاهرة في مكان مأهولٍ أو هشٍّ.
وبعبارة أبسط: الخطرُ يسألُ ماذا يمكن أنْ يحدث؟ أمَّا المخاطرُ فتسأل ماذا يمكنُ أنْ نخسر؟ قد يقع انهيارٌ كبيرٌ في منطقةٍ خاليةٍ فلا يتحوَّل إلى كارثةٍ بشريَّةٍ، بينما قد يؤدِّي سيلٌ أقلُّ قوَّةً إلى خسائرَ جسيمةٍ إذا مرَّ بقريةٍ، أو طريقٍ مزدحمٍ، أو منشأةٍ حيويَّةٍ. الأرضُ تسبِّب الظَّاهرة، لكنَّ حجم الكارثة تحدِّده -أيضًا- مواقع البناء، وقوَّة المنشآت، وسُرعة الإنذار، ووضوح طرق الإخلاء، وقُدرة الجهات المعنيَّة على الاستجابة.
هذا الفهمُ يغيِّر طريقة التَّعامل مع الكوارث. فنحنُ لا نستطيعُ منع كلَّ زلزالٍ، أو سيلٍ، أو انهيارٍ، لكنَّنا نستطيعُ خفضَ المخاطر النَّاتجة عنه. نستطيعُ ألَّا نبني في مجاري السُّيول، وأنْ نصمِّم الطُّرق والجُسور بما يناسب طبيعة المكان، وأنْ نراقب المناطق الحسَّاسة، ونوفِّر إنذارًا مبكِّرًا، وندرِّب السكَّان على الإخلاء. وبذلك لا نُلغي الخطرَ، وإنَّما نقلِّل تعرُّض النَّاس له، ونُخفِّف هشاشتهم أمامه.
ما حدث في نيبال يذكِّرنَا بأنَّ الكارثة قد تبدأ قبل الانهيار بسنواتٍ، عندما نتجاهلُ طبيعة المكان، أو نضعُ منشأةً في مسارٍ معروفٍ للخطرِ. ولهذا أرى أنَّ خرائط الأخطار لا تكفي وحدها؛ بل يجبُ أنْ ترافقها خرائط للمخاطر، توضِّح أين يُوجد النَّاس؟ وما الذي يمكن أنْ يتضرَّر؟ وما مدى الجاهزيَّة؟.
ولا تبقى المخاطرُ على حال واحدة. فقد يكون الوادي قليلَ السكَّان اليوم، ثمَّ ترتفعُ مخاطرُه بعد إنشاء طريقٍ، أو مشروعٍ للطَّاقة، أو توسُّع عمرانيٍّ. وفي المقابل، يمكن خفض الخسائر المتوقَّعة بتحسين التَّخطيط، وتقوية المنشآت، وتوفير بدائل للمياه، والاتِّصال، والرِّعاية الصحيَّة. ولذلك ينبغي تحديث تقييم المخاطر مع كلِّ تغيُّر في المكان، لا التَّعامل معه كخريطةٍ ثابتة تُوضع على الرَّف.
الخُلاصةُ أنَّ الخطر قد يكون طبيعيًّا، أمَّا المخاطرُ فليست طبيعيَّةً بالكامل؛ لأنَّها تتأثَّر بقراراتِنا. وكلَّما فهمنا هذا الفَرق، انتقلنَا من مجرَّد وصفِ الكارثةِ بعد وقوعها، إلى تقليل خسائرها قبلَ أنْ تقعَ.


