عندما بعث اللهُ تعَالى نبيَّه ورسولَه محمدًا -عليهِ أُصلِّي وأُسلِّمُ- أنزلَ كتابًا يُعدُّ منهجًا حياتيًّا، وهو القرآنُ الكريمُ ليكون لكلِّ النَّاس إلى يوم القيامة؛ لأنَّ الرسولَ محمَّدًا -عليهِ أُصلِّي وأُسلِّمُ- أُرسل للنَّاس كافََّة كما في قولهِ تعَالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، وجعل هذه الرسالة خاتمةً للرسالات السماويَّة حتَّى يوم القيامة، فكان هذا المنهج الحياتي متضمِّنًا لعددٍ من جوانب الحياة، كالتشريع العباديِّ، وقصص الأمم السَّابقة؛ لتكون سيرهم عِظةً وعِبرةً، كما تضمَّن الكثير من الأسرار الكونيَّة التي تحثُّ العقل البشريَّ على التفكُّر والتدبُّر والعقلانيَّة التي يأمرُ بها سبحانَه في موضوعاتٍ كُثر من آياتِ هذا الكتاب الكريم ولكنِّي -في هذا المقام- وددتُ التَّذكير بموضوعٍ آراهُ يُمارس بدرجةٍ لافتةٍ إمَّا عمدًا، أو تهاونًا، ويُعدُّ هذا من أعظم الجوانب الكفرية التي يعاقب الله ممارسها بأشد العقاب في الدنيا والآخرة، وهو (النفاق) الذي عرف بأنه: إظهار الإنسان لقولٍ يقولُه، أو فعلٍ يفعلُه، أو اعتقادٍ يُؤمنُ به بغير ما يُبطنه، حتَّى يصبح ما يظهرُه من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ مخالفًا لما يُبطنه من قولٍ أو فعلٍ أو اعتقادٍ.
ولأهميَّته، وعِظم ممارسته هذَا العمل الكفري سُمِّيت سورة من كتابِ الله باسمهِ، وهي سورة "المنافقون"، حيث أورد اللهُ فيها كشفًا لبعض ممارسات بعض صحابةِ رسولِ الله الذِين يظهرُون في قولِهم أو فعلِهم أو اعتقادِهم غيرَ ما يبطنُونَ حيثُ قالَ اللهُ تعَالى فيهم: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴿۱﴾ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿۲﴾ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ﴿۳﴾ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٤﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴿٥﴾ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿٦﴾ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ ﴿۷﴾ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿۸﴾}.
وفي ذات يومٍ قبل عدَّة أعوامٍ توقَّفتُ كثيرًا عند قراءة هذه السورة، وسألت نفسي: هل النفاقُ بهذا الجُرم العظيم حتَّى سُمِّيت سورة بهذا الاسم؟ وهنا بدأتُ أقرأ عن هذه المخالفة الشرعيَّة الكُبرى، حيث قرأتُ الحديثَ الشَّريف الذي وصف فيه الرسولُ -عليهِ أُصلِّي وَأُسلِّمُ- المنافقين بقولهِ: "آيةُ المُنافقِ ثلاثٌ: إِذَا حدَّثَ كَذَب وَإِذَا وَعَدَ أَخَلَف وَإِذَا اُؤتُمنَ خَان" فعرفتُ مَن هو المُنافق.
وعندها سألتُ نفسي ما أكثرُ من يقول ويكذب في قوله وفعله في عالمنا اليوم، وما أكثر من يوعد ويخلف أيضًا في عالمنا اليوم، وما أكثر مَن يُؤتمن على أمر ما ويخون هذه الأمانة، ولا يؤدِّيها كما اؤتمن عليها حيث أرى أنَّ هذه الأمور الثلاثة تُعدُّ من أكثر المخالفات ممارسة دون وجود التَّنويه الكفيل بحدِّها بل إنَّها أصبحت تُمارس دون وعي بحجم العقاب الذي أقرَّه اللهُ تعالى لكلِّ ممارس لها، ومن تلك العقوبات:
- أنَّ ممارسها يكون في الدَّرك الأسفل من النَّار.
- أنَّ ممارسها ملعونٌ ومطرودٌ من رحمة الله.
- أنَّ ممارسها سيواجهُ العذاب المُقيم يومَ القيامة.
ومن تلك اللَّحظة عاهدتُ نفسي أنْ امتنعَ ما استطعتُ عن ممارسة الكَذبِ، وإخلافِ الوعدِ، والتَّفريط في الأمانةِ، وأسألُ اللهَ الحيَّ القيومَ أنْ يعينَنِي على الوفاءِ بذلك العهدِ حتَّى لا أكونَ من ضمنِ هذه الفئةِ.
ولأنِّي أُحبُّكم جميعًا، وأتمنَّى لكم الخيرَ والنجاةَ من النَّار، فإنِّي أنصحكُم جميعًا بالابتعادِ عَن هذا العمل الكفريِّ، ومحاولة كبح جماح أنفسكم، ودحض وسوسة الشَّيطان عند محاولة فعل ذلك، ويقيني أنَّ الله تعالى سيعينكُم على ذلك، فاللهُ سبحانَهُ عندَ حُسنِ الظَّنِّ بِعَبدِهِ.


