تخيَّل أنَّ هاتفك يرنُّ في ساعةٍ متأخِّرةٍ، وأنَّ الصوت في الطَّرف الآخر هو صوتُ أحد أبنائك، بالنَّبرة نفسها التي تعرفُها، يطلب منك تحويل مبلغٍ ماليٍّ بصورةٍ عاجلةٍ، بعد تعرُّضه لموقفٍ طارئٍ. كلُّ شيءٍ يبدو حقيقيًّا: الصوت، والارتباك، وطريقة الكلام، وحتَّى النداء الذي اعتاد أنْ يخاطبك به. ثمَّ تكتشفُ، بعد أنْ تستجيب، أنَّ ابنك بخيرٍ، وأنَّه لم يتَّصل بكَ أصلًا.
قبل سنواتٍ، كان هذا المشهدُ أقربَ إلى الخيال. أمَّا اليوم، فقد جعل الذكاءُ الاصطناعيُّ التوليديُّ إنتاجَ أصواتٍ وصورٍ ومقاطعَ مرئيَّةٍ شديدةِ الإقناعِ أكثرَ سهولةً. ولم يعد المحتال مضطرًا دائمًا إلى اختراق حسابك، أو سرقة كلمة مرورك، فقد يجمع ما ننشرُه طوعًا عن أنفسنا، ويتعرَّف إلى علاقاتنا وطريقة حديثنا، ثمَّ يعيد تقديم تلك التفاصيل في رسالة أو اتِّصال يبدو صادرًا ممَّن نثق بهم.
لسنواتٍ طويلةٍ، اختصرنا الوعي السيبرانيَّ في التحذير من الروابط المشبوهة، وحماية كلمات المرور، وعدم مشاركة رمز التَّحقق. وهذه قواعد ما زالت أساسيَّة، لكنَّها لم تعدْ كافيةً وحدها؛ لأنَّ الخديعة لم تعدْ تأتي دائمًا من رقمٍ غريبٍ، أو رسالةٍ ركيكةٍ، بل قد تصلنا بوجهٍ نعرفُه، وصوتٍ نحبُّه، وسياقٍ صُمِّم خصيصًا لاستثارة خوفنا أو استعجالنا.
هنا يتغيَّر جوهر الخطر: لم تعد البياناتُ والحساباتُ وحدها هي المستهدَفة، بل أصبحت الثقة نفسها سطحًا للهجوم. فالمحتالُ لا يحاول إقناعنا بمنطقه، وإنَّما يسعى إلى تعطيل منطقنا بالعاطفة، يستخدم الخوف حين ينتحل صفة قريبٍ في مأزق، والطَّمع حين يعد بفرصة نادرة، والرَّهبة حين يدَّعي تمثيل جهة رسميَّة، والاستعجال حتى لا يترك لنا وقتًا للتحقُّق.
وقد تعاملت الجهات الوطنيَّة مع هذا التحوُّل بمنهج استباقيٍّ؛ فأصدرت الهيئة السعوديَّة للبيانات والذكاء الاصطناعيِّ «سدايا» مبادئ للتَّزييف العميق تتناول مخاطره المرتبطة بالتَّضليل وانتهاك الخصوصيِّة. كما تؤكَّد متطلَّبات البنك المركزيِّ السعوديِّ في مكافحة الاحتيال الماليِّ أهميَّة تحديث التَّوعية باستمرار، ومواءمتها مع التَّهديدات الجديدة والأساليب الاحتياليَّة المستخدمة عبر الرسائل والبريد الإلكترونيِّ، ومنصَّات التواصل الاجتماعيِّ. وهذه المقاربة تعكس حقيقة مهمَّة: مكافحة الاحتيال ليست برنامجًا تقنيًّا يُشترَى مرَّة واحدة، بل عمليَّة متجدِّدة تجمع التقنية والحوكمة والوعي البشري.
لذلك نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة للتَّحقق تقوم على ثلاثة أسئلة: هل تحقَّقت من الهويَّة؟ وهل يتَّسق الطلب مع السِّياق؟ وهل أكَّدت المعلومة عبر قناة مستقلَّة؟ فإذا ورد اتِّصال ماليٌّ عاجلٌ بصوتِ شخصٍ تعرفه، فلا تجعل الصَّوت وحده دليلًا. أنهِ المكالمة، واتَّصل به على رقمه المحفوظ لديك، أو تواصل مع شخصٍ قريبٍ منه. وإذا نُسب طلب إلى بنك، أو جهة رسميَّة، فلا تستخدم الرَّابط، أو الرقم الوارد في الرسالة، بل ارجع إلى التطبيق الرسميِّ، أو الرقم المنشور في القنوات المعتمدة.
ومن المفيد أنْ تتَّفق كلُّ أسرة على كلمةِ تحقُّق خاصَّة، لا تُرسل في المجموعات، ولا تُستخدم إلَّا عند الطوارئ، وأنْ تتعلَّم قاعدة بسيطة: لا تحويل مالي، ولا إفصاح عن بيانات تحت ضغط الاستعجال.
كما تقع على وسائل الإعلام، وصنَّاع المحتوى مسؤوليَّة مضاعفة؛ فالمحتوى المثير قد ينتشر في دقائق، بينما يستغرق تصحيح أثره أيامًا. ولهذا يجب أنْ يسبق التحققُ النَّشرَ، وأنْ يُفصح بوضوح عن المحتوى المصنوع أو المعدل بالذكاء الاصطناعيِّ، خصوصًا حين يتَّصل بسمعة الأشخاص، أو المصلحة العامَّة. فحريَّة النشر لا تنفصل عن مسؤوليَّة حماية الحقيقة.


