في مسارات الحياة المتشابكة، تتعدَّد العواملُ التي تطمس بصرَ الإنسان عن حقيقته، ولعلَّ أبرزها اعتلاء منصَبٍ، أو هبوط ثروة مفاجئة لم يسبقها عناء ولا عرق. تبدأ الدِّراما الإنسانيَّة حين تحيط بهؤلاء هالة برَّاقة من التَّفخيم والتَّبجيل؛ فتُغلق الأبواب بمهابة، وتتحوَّل الإشارات البسيطة إلى أوامر مُطاعة، وتتسابق الهواتف والأيدي لنَيل الرِّضا والظَّفر بالقُرب. في تلك اللَّحظات، يتسلَّل وَهَمُ النفوذ إلى الأعماق، فيشيِّد المرء برجًا عاجيًّا يفصله عن واقعه الحقيقيّش، متوهِّمًا أنَّ هذا التبجيل المٌُفرط موجَّه لشخصه لا لكرسيِّه أو رصيده، وممارسًا جفاءً غير مبرَّر تجاه أقارب البدايات، وأصدقاء الأمس.
ينشئ المالُ السريعُ، والمنصبُ مجتمعًا افتراضيًّا قائمًا على تقاطع المصالح، ورعاية المنافع الشخصيَّة فقط. يمتدح المحيطُون كلَّ خطوة، ويسبغُون الأوصاف على كلِّ كلمة، فيقع المرءُ في الفخ متناسيًا أنَّ المكاتب لا تصنع معادن الرِّجال، وأنَّ الألقاب والأرقام مجرَّد عاريات مؤقتة تشبه أوراق الخريف المتساقطة. ينظر هذا الإنسانُ إلى مجتمعه عبر «نظَّارات ثلاثيَّة الأبعاد» تزيف الأبعاد الحقيقيَّة للأشياء، فتضخِّم مكانته وتُصغِّر مَن حوله، حتَّى يظنَّ أنَّ هذا الألق هو سرمديٌّ لا ينقطع، وأنَّ مجلسه المكتظ بالزوَّار سيبقى مأهولًا للأبد، غافلًا عن حقيقة أنَّ المصلحة هي الوقود الوحيد لهذا الاهتمام المُصطنع.
ثمَّ تأتي اللَّحظة الحاسمة المخبَّأة في طيَّات الزَّمن؛ لحظة صدور قرار المغادرة الحاسم، أو انحسار تلك الثَّروة الطَّارئة كما بدأت. في طرفة عين، يتوقَّف الضجيجُ، وتسقط المزايَا؛ ليعود الإنسانُ إلى حجمه الطبيعيِّ مجرَّدًا من ألقاب الوجاهة، وأوهام الثراء. وهنا تتجلَّى الصَّدمة النفسيَّة الكُبرى: تسقط النَّظاراتُ المزيَّفة، وتبدأ الهواتفُ بالصَّمت التام، وتتوارى تلك الوجوهُ التي كانت تتزاحمُ في نسقٍ متَّصلٍ، ويكتشف أنَّه كان يعيشُ في سيرك من العلاقات المصنوعة، التي انفضَّت سريعًا بمجرَّد إسدال السِّتار على المنصب، أو المال. في هذه المرحلة الجرداء القاسية، ينظرُ المرءُ بعد إزاحة أوهامه إلى الواقع بعينه المجرَّدة، يبدأ رحلة النٌّكوص والبحث عن الجذور القديمة، فيحاول الاتِّصال بزميلٍ قديمٍ تجاهله، أو قريبٍ أهمل واجبه، أو الانضمام إلى صفوفِ قبيلته ومحيطه، مدفوعًا بوحدة قاتلةٍ، وفراغٍ اجتماعيٍّ موحشٍ. يسعى لترميم الجُسور المهدَّمة، لكنَّه يصطدم أحيانًا ببرود الاستقبال، وجراح الجفاء التي حفرَها كبرياؤه السَّابق في نفوسهم؛ ليعلم أنَّ مشاعر النَّاس ليست مفاتيح كهربائيّة يُعاد تشغيلها بضغطةِ زرٍ.
إنَّ الحياة لا تنخدعُ بالمظاهر والجاه والوجاهة العابرة حين تطوى مراحلها، بل تبقى وفيَّةً للقِيم الأصيلة التي تثبت في الوجدان، والعظمة الحقيقيَّة لا تكمنُ في العلوِّ على النَّاس أثناء الصعود، بل في إبقاء الأبواب مفتوحةً، والأيدي ممدودةً بالخير والتَّواضع، فالذي يبني جُسور الودِّ والمحبَّة في أيَّامه الزَّاهية، لن يجد نفسه يومًا يسير في زقاق الوحدة المُعتم حين تهب عليه رياحُ التَّغيير.


