تكتب الطويرقي تجربتها من مساحة شخصية، لكنها لا تغلق أبوابها على ذاتها، بل تترك للقارئ فرصة لأن يجد شيئاً من حكايته بين السطور، وجعٌ قديم، وحلمٌ لم يكتمل، وسؤالٌ ظل معلقاً، أو ذلك الضوء الصغير الذي يرفض أن ينطفئ، ولعل هذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى رحلة مشتركة بين الكاتبة وقارئها، بدأت كلماتها في الطائف، ثم وجدت طريقها إلى النور من الأحساء، في امتداد يحمل الكثير من الذاكرة والدفء والمعنى.
* ماذا يعني لكِ عنوان كتابك "حلم على حافة الضوء"؟.
- العنوان بالنسبة لي يتجاوز فكرة أن يكون مجرد اسم للكتاب، فهو في الحقيقة اختصار للرحلة التي مر بها الكتاب منذ بدايته وحتى خروجه إلى القارئ، "الحلم" هو ذلك الشيء الذي يسكن داخلنا قبل أن يراه الآخرون أو يعرفوا بوجوده، أما "حافة الضوء" فهي المسافة الدقيقة التي تفصل بين أن نؤمن بالحلم وأن نراه يتحول إلى واقع، واخترت هذا العنوان لأنني أؤمن أن الأحلام الجميلة لا تظهر دائماً في الضوء كاملاً منذ بدايتها، وإنما تولد أحياناً من عتمة صغيرة، من فكرة أو شعور أو سؤال، ثم تبدأ في التحرك معنا خطوة بعد أخرى، حتى تصبح واضحة وقابلة للرؤية، ولذلك شعرت أن العنوان يحمل روح الكتاب، ويشبه رحلته أكثر من كونه مجرد تسمية له.
* ومتى شعرتِ أن هذا الحلم لم يعد مجرد فكرة عابرة، وأنه يستحق أن يتحول إلى كتاب؟.
- ربما بدأت أشعر بذلك عندما أدركت أن هناك مشاعر لا يكفي أن نعيشها داخلنا، وإنما تحتاج إلى أن تجد طريقها إلى الكلمات، حتى تتمكن من الوصول إلى قلب آخر، الكتاب كان يتشكل داخلي قبل أن تتشكل صفحاته، وكل تجربة مررت بها، وكل تأمل، وكل سؤال ظل يرافقني، كان يضيف إليه شيئاً، وربما سطراً جديداً دون أن أشعر، ومع الوقت وصلت إلى تلك اللحظة التي شعرت فيها أن هذا الحلم لم يعد ملكي وحدي، وأنه حان الوقت لكي يغادرني ويبدأ رحلته الخاصة مع القارئ، أعتقد أن بعض الكتب لا نقرر نحن متى تولد، وإنما تصل بنا الكتابة إلى اللحظة التي يصبح فيها إخراجها إلى العالم ضرورة.
* هل كتبتِ الكتاب لتروي تجربتكِ، أم كنتِ تريدين أن تتركي للقارئ مساحة يرى فيها تجربته الخاصة؟.
- كتبتُ تجربتي بالتأكيد، لكنها لم تكن تجربةً مغلقةً على ذاتي. كنتُ أبحث عن النص الذي يستطيع القارئ أن يضع فيه شيئاً من نفسه؛ ربما وجعاً قديماً، أو حلماً تأجل، أو خوفاً لم يستطع أن يخبر به أحداً، وربما حتى نوراً صغيراً ما زال يحاول أن يكبر داخله. وغالباً ما أسمع ممن يقرؤون مقالاتي عبارةً تقول لي: "رحمة، أنتِ كأنكِ تكتبين عني"، أو "لامسني هذا الشعور"، وهذه الجملة بالنسبة لي تحمل معنىً كبيراً؛ لأنها تؤكد أن التجربة الشخصية يمكن أن تتحول إلى مساحة مشتركة عندما تكون صادقة. لذلك، أرى أن الكتاب يبدأ مني، لكنه لا ينتهي عندي؛ بمجرد أن يصل إلى القارئ يصبح له معنىً آخر، وتبدأ كل شخصية وكل فكرة وكل شعور في اكتساب حياة جديدة من خلال التجربة التي يحملها القارئ معه.
* ما أكثر شيء تغير فيكِ منذ بدأتِ كتابة "حلم على حافة الضوء" وحتى رأيتِ الكتاب بين يديكِ؟.
- أكثر ما تغير في داخلي ربما هو إيماني بفكرة الانتظار؛ كنت في السابق أعتقد أن الانتظار يعني أن نقف في مكاننا حتى يأتي ما نريده، لكنني تعلمت خلال هذه الرحلة أن الانتظار الحقيقي مختلف تماماً، فهو أن نستمر في العمل والسعي، حتى ونحن لا نعرف متى سيصل الحلم. والكتاب علمني الصبر، لكنه علمني أيضاً أن بعض الأشياء الجميلة تتأخر؛ ليس لأنها لن تأتي، وإنما لأنها تأتي في الوقت الذي يجعلنا أكثر استعداداً لاستقبالها واحتضانها، وأحياناً نكتشف أن فترة الانتظار نفسها كانت ضرورية؛ لأنها كانت تصنع داخلنا الشخص القادر على تقدير ما سيأتي لاحقاً.
* لو طلبت منكِ أن تختصري الكتاب كله في شعور واحد، فما الشعور الذي تختارينه؟.
- اختار الأمل الذي يولد رغم كل شيء، ذلك الجزء الصغير داخل الإنسان الذي يظل يقول له "ما زال هناك متسع لنبدأ من جديد"، هذا الشعور هو الأقرب إلى روح الكتاب، ولذلك أرى أن "حلم على حافة الضوء" محاولة للانحياز إلى الضوء، حتى عندما تكون الطريق إليه طويلة، وحتى عندما يبدو الوصول إليه في بعض اللحظات بعيدا.
* هل هناك صفحة أو فكرة في الكتاب تشعرين بأنها تشبهكِ أكثر من غيرها؟.
- هنا أنت تضع يدك على الجرح كما يقال، علاقتي بالكتاب أشعر بها وكأنني أمام ابن خرج من رحم أفكاري، لذلك يصعب عليّ أن أختار صفحة واحدة وأقول إنها تشبهني أكثر، لأن هناك الكثير من الأفكار التي تحمل شيئاً مني، لكنني أعتقد أن أكثر ما يشبهني هو كل سطر كتبته وأنا أحاول أن أفهم نفسي قبل أن أحاول فهم الحياة، فالكتاب ليس صورة كاملة لي، لكنه يحمل ظلالي، خوفي، ودهشتي، وضعفي، وقوتي، وأسئلتي التي لم أجد لها دائماً إجابات، وربما لهذا السبب أشعر أنني تركت جزءا من روحي بين صفحاته، فالكتابة بالنسبة لي لم تكن مجرد ترتيب للكلمات، وإنما كانت محاولة لاكتشاف ما يحدث في داخلي، ثم تحويل هذا الاكتشاف إلى نص يمكن أن يجد طريقه إلى الآخرين.
* ماذا تتمنين أن يحدث للقارئ بعد أن يغلق الصفحة الأخيرة من الكتاب؟.
- أتمنى ألا يغلق الكتاب ويغلق معه الشعور الذي تركته الصفحات داخله، أتمنى أن يبقى معه سؤال صغير، أو فكرة تجعله ينظر إلى حياته بطريقة مختلفة، أو حتى إحساس بسيط يدفعه إلى إعادة التفكير في شيء كان يراه من زاوية واحدة، وقبل كل شيء، أتمنى أن يشعر القارئ بأن أحلامه تستحق فرصة أخرى، وأن التأخر لا يعني الفشل، وأن الإنسان قادر دائماً على أن يبدأ من النقطة التي ظن في يوم من الأيام أنها نهايته، ربما يكون أجمل ما يمكن أن يفعله كتاب هو ألا يقدم إجابة جاهزة، وإنما يفتح نافذة داخل الإنسان تجعله يرى نفسه بشكل مختلف.
* كتابكِ ولدت كلماته في الطائف، ثم خرج إلى النور من الأحساء، ماذا يعني لكِ هذا الامتداد بين المدينتين؟.
- أشعر أن الكتاب حمل شيئاً من روح المدينتين معاً، من الطائف أخذ الورد والذاكرة والبدايات والروح، ومن الأحساء أخذ النخيل وكرم المكان ودماثة الخلق ودفء الاحتفاء، كان جميلاً بالنسبة لي أن يكتب الحلم في مدينة، ثم يجد طريقه إلى النور في مدينة أخرى، وكأن الحلم نفسه كان في رحلة، يسافر من مكان إلى آخر حتى يصل إلى موعده، وهذا الامتداد بين الطائف والأحساء منح الكتاب بالنسبة لي معنى إضافياً، لأن المدن ليست مجرد أماكن نعيش فيها، وإنما تترك شيئا من روحها فينا وفي الأشياء التي نصنعها، وربما لهذا أشعر أن "حلم على حافة الضوء" يحمل في داخله أثر المدينتين، بكل ما تمثلانه بالنسبة لي من ذاكرة وبدايات واحتفاء.
* لو استطعتِ العودة إلى رحمة التي كانت تكتب السطور الأولى من الكتاب، ماذا ستقولين لها؟.
- سأقول لها، لا تخافي من طول الطريق، ستتعبين أحياناً، وستشكين أحياناً أخرى، وربما ستتساءلين إن كان ما تفعلينه يستحق كل هذا الانتظار، لكنك ستصلين، وحين تصلين، ستكتشفين أن أجمل ما في الحلم لم يكن لحظة تحققه وحدها، وإنما الإنسان الذي أصبحت عليه وأنت تسعين إليه، وربما لو عدت إلى تلك الرحلة سأقول لها أيضاً ألا تستعجل الوصول، لأن الطريق نفسه كان جزء من الحكاية، وكل لحظة شك، وكل تأخير، وكل انتظار، كان يصنع شيئاً لم تكن تدرك أهميته في ذلك الوقت.
* بعد أن أصبح "حلم على حافة الضوء" كتاباً يُقرأ ويُهدى ويصل إلى الآخرين، هل تشعرين أنكِ حققتِ الحلم؟.
- أشعر أنني حققتُ جزءاً منه فقط؛ لأن الحلم عندما يتحول إلى كتاب لا ينتهي، بل يبدأ رحلة جديدة مع كل قارئ. كانت أمنيتي الأولى أن أرى الكتاب بين يدي القراء، وهذه الأمنية تحققت، لكن أمنيتي الآن أصبحت أكبر؛ أن يصل الكتاب إلى اليد التي تحتاجه، وإلى القلب الذي يجد بين صفحاته شيئاً يشبهه. ولا أريد أن يكون الكتاب مجرد عنوان موجود على رف أو صفحات تُقرأ ثم تُنسى، وإنما أتمنى أن يترك أثراً جميلاً في داخل كل من مر على حروفه؛ ربما يكون هذا الأثر فكرة، أو شعوراً، أو قراراً بالبدء من جديد، أو حتى مجرد لحظة شعر فيها القارئ أنه ليس وحده في شيء كان يظنه خاصّاً به. وحين يحدث ذلك، سأشعر أن الحلم لم يكتفِ بأن يصل إلى الضوء، وإنما أصبح هو نفسه ضوءاً لشخص آخر.


