Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد أحمد بصنوي

كيف تؤمن السعودية حدودها واقتصادها وسط عواصف الإقليم؟

A A
حين تُدقِّق النَّظر في خارطة الشَّرق الأوسط اليوم، لا يمكنك إلَّا أن تتوقَّف عند تجربة سياسيَّة وعسكريَّة استثنائيَّة تُكتب تفاصيلها في الرِّياض، تجربة تجاوزت المفهوم التقليدي للدفاع القائم على السكون، ومجرد انتظار الأخطار، إلى صياغة مفهوم متطوِّر لـ»الردع الشَّامل»، فالحماية الحقيقيَّة للدول لا تتحقَّق بالجدران الخرسانيَّة، بل عبر شبكة مناورة حيَّة تدمج بين القوة العسكريَّة الاستباقيَّة، والدبلوماسيَّة الوازنة، والاستقرار الاقتصاديِّ والتقنيِّ المُستدام.
إنَّ هذه الرُّؤية الإستراتيجيَّة -التي تُدار بكلِّ حزم بتوجيهات خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ووليِّ عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان- قد نجحت في تحصين المجال الحيوي للمملكة، وتأمين حدودها، وسمائها عسكريًّا وسيبرانيًّا، ومكَّنت القيادة من بناء مظلَّة حماية اجتماعيَّة واقتصاديَّة متكاملة، عبر حزم الدعم الحكوميِّ، وضبط التضخُّم، ودعم السلع الأساسيَّة، وإعادة هيكلة الاقتصاد المحليِّ عبر برنامج «رُؤية 2030» ليكون أكثر صمودًا، ليبقى المواطنُ ينعم بالرَّخاء والاستقرار وسط عواصف الإقليم.
لم يكن التقاربُ العسكريُّ الممتدُّ بين الرِّياض وأنقرة وإسلام آباد مجرَّد صفقة تكنولوجيَّة، بل جاء لصياغة محور إستراتيجيٍّ يجمع بين الصناعات العسكريَّة التركيَّة، والخبرة القتاليَّة، والرَّدع النوويِّ الباكستانيِّ، ممثِّلًا عمقًا سياسيًّا يتيح نقل التكنولوجيا، وتوطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكريِّ عبر «الهيئة العامَّة للصناعات العسكريَّة»، وتجسِّد ذلك في الشراكة مع «بايكار» لتصنيع طائرات «بيرقدار أقينجي» محليًّا لتأمين استقلاليَّة القرار التسليحيِّ.
وعلى المسار الأوروبيِّ، تعبِّر المفاوضات السعوديَّة - الفرنسيَّة حول منظومات «سامب/تي» ورادارات «ثاليس» عن رغبة جادَّة في بناء شبكة دفاع جويٍّ متعدِّدة الطبقات، ففرنسا تمنح الرِّياض هامش مناورة، وموقفًا سياسيًّا دائمًا في مجلس الأمن الدوليِّ، ينأى بها عن الابتزاز السياسيِّ.
كما خضعت منظومة الدِّفاع السعوديِّ لأعقد اختبار ميدانيٍّ؛ إذ بلغت إجمالي المستهدَفات المرصودة باتجاه المملكة بين 987 إلى 1020 هدفًا جويًّا (شملت 890 طائرة مسيَّرة، و88 صاروخًا باليستيًّا، و8 صواريخ كروز وطواف)، وتمَّ التصدِّي لها، مؤكِّدة امتلاك الرياض لأعتى مظلَّة دفاع جويٍّ في المنطقة.
ولا يقتصر الأمنُ القوميُّ على الحدود الجغرافيَّة، بل يمتدُّ للفضاء السيبرانيِّ، حيث تبوَّأت المملكة المرتبة الأولى عالميًّا في مؤشر الأمن السيبرانيِّ ضمن تقرير الكتاب السنويِّ للتنافسيَّة العالميَّة لعام 2026 الصادر عن المعهد الدوليِّ للتنمية الإداريَّة (IMD) في سويسرا عبر جهود «الهيئة الوطنيَّة للأمن السيبرانيِّ»، كما تقود المملكة «التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب»، وتعمل عبر «مركز الحرب الفكريَّة»، و»اعتدال» على تجفيف منابع التطرُّف.
وأخيرًا وليس آخرًا، فإنَّ القراءة المنصفة لهذه التحرُّكات تدعونا إلى إدراك الجوهر الإستراتيجي الجديد: المملكة لم تعد تنتظر حلولًا يرسمها الآخرُون، بل تصوغ مظلتها الخاصة التي تجمع بين قوة الردع الميداني وحماية الإنسان على أرضها، فالمواضع الحاكمة لا تُحمى بالأمنيات، بل بالعقول التي تحسن قراءة التاريخ، وتصوغ عمليات الردع والتنمية بحكمة وبصيرة نافذة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store