Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.سعود الغربي

الموظف الحكومي.. وجهان متناقضان!!

A A
ليس كلُّ موظفٍّ حكوميٍّ مثاليًّا؛ فهناك موظفٌ يرى في وظيفته أمانةً ومسؤوليَّةً، وخدمةً للنَّاس، ويستقبل المراجع باحترامٍ، ويحرص على إنجاز معاملته، ويقدِّم ما يستطيع من مساعدة. وفي المقابل، هناك موظفٌ آخرُ يتعامل مع وظيفته وكأنَّها امتياز شخصيٌّ، ومع المراجع وكأنَّه عبءٌ ثقيلٌ؛ تعالٍ، وتشنُّج، وتسويف، واستفزاز، وأحيانًا «تطفيش» متعمَّد، حتى يغادر المراجع، وقد فَقَدَ ثقته بالخدمة، وبالجهة التي يمثِّلها.
وهذا ينطبق على كل الوظائف من دون استثناء، بما في ذلك وظيفة الإعلاميِّ؛ التي تكون الأمانة فيها أعظمَ، والمسؤوليَّة أكبرَ، والخللُ فيها لا يقتصرُ على مستفيد، بل يطول الوطن، والجهة، والمجتمع ككلٍّ، وهذا الإهمال يبقى مدى الحياة، كلَّما بقي المحتوى أو المادة الإعلاميَّة متداولًا.
المشكلة هنا ليست في اختلاف الطِّباع، ولا في أنْ يكون الموظَّف متعبًا، أو تحت ضغط العمل، بل حين يتحوَّل هذا السلوك إلى ممارسةٍ وظيفيَّةٍ تضرُّ بالمراجع، وتسيءُ إلى صورة الجهة، وتفرِّغ مفهوم الخدمة العامة من معناه.
ولا يقتصرُ سوءُ المعاملة على خدمة النَّاس، بل قد يكون حالة دائمة بين الموظَّفين أنفسهم أثناء أداء مهامهم وأدوارهم، وقد يصل إلى تعمُّد واضح، وتصفية حسابات، وتشنُّجات تطول المستفيدين والمنتج الذي يعملُون عليه. وهنا تكون النتائج أكثرَ خسارةً وألمًا؛ حتى لو كابرنا وتعايشنا معها، تقبُّلًا لواقع أنَّ المخرج ملك عام، وليس أمرًا شخصيًّا يخص هذا الموظَّف أو ذاك.
الموظَّفُ الحكوميُّ لا يمثِّل نفسه خلف مكتبه؛ إنَّه يمثِّل جهةً عامَّةً، ويمارس صلاحيَّةً مرتبطةً بمصلحة النَّاس. ومن هنا، فإنَّ حُسن التعامل ليس مجاملةً، والابتسامة ليست ترفًا، والاحترام ليس خيارًا شخصيًّا؛ بل جزءٌ من أخلاقيَّات الوظيفة العامَّة وواجباتها.
كما أنَّ الأمانة الدينيَّة والأخلاقيَّة ينبغي أنْ تكون حاضرة في هذه العلاقة؛ فتعطيل مصالح النَّاس، أو استغلال حاجتهم، أو التعامل معهم باستعلاء، لا يصبح مقبولًا لمجرَّد أنّ الموظَّف يملك صلاحيَّة أو يجلس خلف مكتبٍ حكوميٍّ.
المجتمعُ يحتاجُ إلى رقابةٍ فعَّالةٍ، ومحاسبةٍ واضحةٍ، وقنوات شكوى جادَّة، وقياس مستمر لجودة تجربة المستفيد. فالجهةُ الحكوميَّةُ مطالبةٌ، عبر إدارات الموارد البشريَّة، والرقابة الداخليَّة، ووحدات خدمة المستفيد، والجهات الرقابيَّة المختصَّة، بأنْ تتابع سلوك الموظَّف كما تتابع أداءَهُ وإنجازاتِهِ؛ لأنَّ جودة الخدمة لا تُقاس بعدد المعاملات المُنجزة فقط، بل أيضًا بكيفيَّة التعامل مع الإنسان الذي يقف أمام الموظَّف، وحتى تصبَّ هذه الإجراءات ضمن تحسين تجربة العميل التي أصبحت بعض الجهات تتفاخرُ فيها كمؤشرٍ عالميٍّ تطبقه في بيئات عملها.
وفي المقابل، يجب ألّا تتحوَّل الشكوى إلى أداةٍ لمعاقبة الموظَّف ظُلمًا؛ فالرقابة العادلة تستمع للطَّرفين، وتتحقَّق من الوقائع، وتحاسب على التَّقصير الحقيقيِّ، وتحمي الموظَّف الملتزم، كما تحمي حقَّ المستفيد.
نحنُ لا نحتاج موظفًّا يخاف من المراجع، بل موظفًا يستشعرُ مسؤوليته أمام الله، ويحترم وظيفته، ويعرفُ أنَّ وراء كل معاملة إنسانًا له حق في الخدمة والاحترام.
فالوظيفة العامَّة ليست سلطةً على النَّاس، بل أمانة لخدمتهم. وحين يغيب هذا المعنى، قد يتحوّل المكتب الصغير إلى حاجزٍ كبيرٍ بين المواطن وحقه.
والسؤال الذي ينبغي أنْ تضعه كل جهةٍ حكوميَّةٍ أمامها؛ وهو هل نراقب إنجاز الموظَّف فقط، أم نراقب أيضًا كيف يُعامل النَّاس؟
وهنا تبدأ جودة الخدمة، وتتوافق مع المؤشرات العالميَّة في تجربة المستفيد.. وهنا أيضًا تبدأ هيبة الوظيفة العامَّة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store